المحكمة الدستورية في ليبيا بدائرة التجاذبات السياسية تقويض للقضاء
56 مشاهدة
عاد ملف المحكمة الدستورية إلى واجهة الخلاف بين الأطراف السياسية الليبية بعد أن أصدرت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في الثاني من نوفمبر تشرين الثاني الجاري حكمين قضائيين قضت فيهما بعدم دستورية قانونين صدرا عن مجلس النواب عامي 2017 و2022 إذ قضى الحكم الأول بعدم دستورية تعديل أجراه مجلس النوب عام 2017 على قانون العقوبات العسكرية بأن أجاز محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري في جرائم الإرهاب والجرائم المرتكبة ضد شخصية الدولة فيما قضى الحكم الثاني بعدم دستورية قرار آخر أصدره مجلس النواب عام 2022 بموجبه نقل تبعية الجريدة الرسمية إلى مجلس النواب لتصبح تنشر التشريعات والقوانين مباشرة عن رئيس المجلس وعلى الفور رحب رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بالحكم الخاص بالجريدة الرسمية معتبرا في بيان له الثلاثاء أنه يأتي صيانة لمبدأ المشروعية وترسيخا لمبدأ الفصل بين السلطات بما يعزز دعائم دولة القانون والمؤسسات في ليبيا وأعلن عزمه تشكيل لجنة قانونية متخصصة لمراجعة جميع القوانين الصادرة عن مجلس النواب مؤكدا أن أحكام المحكمة العليا توضح ما شاب القوانين المخالفة من عوار دستوري منذ تاريخ صدورها كما رحب المجلس الأعلى للدولة بالحكمين معتبرا أنهما يعيدان التوازن المؤسسي بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بعد أن أخل مجلس النواب به حين نقل تبعية الجريدة الرسمية إليه واعتبر أن إبطال النصوص التي كانت تجيز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية انتصار للحقوق والحريات وصون للضمانات الدستورية للمدنيين في المقابل رد رئيس مجلس النواب عقيلة صالح على بيان المنفي مؤكدا أن مجلس النواب هو الجهة المعنية بتنظيم القضاء وما يتخذه من إجراءات لا يعد تدخلا في عمل القضاء أو استقلاليته واتهم المنفي بـالتدخل في شؤون السلطتين التشريعية والقضائية ومحاولة تسييس القضاء وانتقاء ما يناسبه من أحكام وأضاف صالح في بيان له أمس الأربعاء أن مجلس النواب هو من أعطى هذا الاختصاص للمحكمة وهو من سحبه وأن قانون المحكمة الدستورية يهدف إلى تكوين محكمة من قضاة مؤهلين ومتفرغين لهذه المهمة وفي تطور مواز أصدرت المحكمة الدستورية أمس الأربعاء قرارا ببدء النظر في القضايا الدستورية المنظورة أمام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا استنادا إلى قرار سابق صدر في 21 أكتوبر تشرين الأول الماضي يقضي بإلغاء الدائرة الدستورية وإحالة جميع الدعاوى والطلبات القائمة أمام الدائرة الدستورية بمحكمة النقض المحكمة العليا سابقا إليها بحالتها فور صدور هذا القانون وكان مجلس النواب قد أجرى في عام 2017 تعديلا على قانون العقوبات العسكرية سمح بموجبه للمحاكم العسكرية بضم فئات من غير العسكريين ضمن اختصاصها مثل المدنيين في حالة النفير ومن يصفهم بـالمليشيات المسلحة تحت ذريعة مكافحة جرائم الإرهاب من دون ضوابط أو تحديد دقيق لهذه الفئات وهو ما عدته منظمات حقوقية حينها توسيعا خطيرا لاختصاص القضاء العسكري وتقويضا لمبدأ القاضي المدني الطبيعي أما قضية الجريدة الرسمية فتتعلق بتعديل أجراه مجلس النواب على قانون إصدار الجريدة لعام 2011 الذي نص على تبعيتها لوزارة العدل وتخويلها نشر القوانين والتشريعات والاتفاقيات غير أن المجلس أقر في عام 2022 تعديلا نقل بموجبه تبعيتها وصلاحية إصدارها إلى رئيس مجلس النواب نفسه ما سمح لرئيس لمجلس نشر القرارات والقوانين مباشرة من دون أي مشاركة من أي جهة أخرى ويعود أصل الخلاف إلى إصدار مجلس النواب قانون إنشاء المحكمة الدستورية في ديسمبر كانون الأول 2022 ومقرها في بنغازي مبررا الخطوة بأن القوانين القضائية الليبية لا تعطي المحكمة العليا الولاية بالنظر في الطعون الدستورية وفي مارس آذار 2023 أبطلت المحكمة العليا هذا القانون فيما علق المجلس الأعلى للدولة التواصل مع مجلس النواب احتجاجا على ما رآه تدخلا في القضاء غير أن عقيلة صالح أعاد نشر القانون في ديسمبر كانون الأول 2023 قبل أن يعود ويعلن عن اتفاقه مع المجلس الأعلى على عدم إصدار القانون حتى لا يتعارض مع القاعدة الدستورية قبل أن يعود مرة أخرى لتفعيله وتشكيل مجلس أعضائه ما أثار رفضا واسعا في الأوساط القضائية حينها nbsp وفي إبريل نيسان الماضي أصدر المجلس الرئاسي مرسوما رئاسيا بوقف العمل بالقانون متهما مجلس النواب بـمحاولة الهيمنة على السلطة القضائية من خلال أداة التشريع إلا أن عقيلة صالح رد على الفور بتمسكه بصلاحيات مجلس النواب في إنشاء المحكمة الدستورية ويؤكد الأكاديمي وأستاذ القانون الدستوري أحمد العاقل في حديث لـالعربي الجديد أن قانون مجلس النواب بإنشاء المحكمة الدستورية يواجه خللا جوهريا لأنه صدر من دون أي تعديل للقوانين التي أنشأت المؤسسات القضائية في البلاد وبالتالي لا يستند إلى قاعدة قانونية تخول السلطة التشريعية إنشاء هيئة رقابة دستورية مستقلة عن المحكمة العليا وأوضح أن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا موجودة منذ عام 1954 وهي المختصة أصلا بالنظر في القضايا والطعون الدستورية قبل أن تجمد خلال حكم النظام السابق وتعاد للعمل بعد عام 2011 مؤكدا أن اختصاصها أصيل وصحيح ولا يجوز إنشاء محكمة دستورية جديدة من دون تعديل القوانين القضائية أو الإعلان الدستوري نفسه ويتابع العاقل أن مجلس النواب تجاهل مبدأ المشاركة المؤسسية في التشريع إذ إن المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة العليا طرفان أساسيان في أي تعديل يمس السلطة القضائية وهو ما لم يحدث في هذا القانون معتبرا أن إنشاءها جاء بدافع المماحكات السياسية بين السلطتين أكثر من كونه إصلاحا قضائيا ويتقاطع معه في الرأي الباحث في الشأن السياسي بشير الكوت الذي يرى أن الإصرار على تفعيل المحكمة الجديدة وسط الاعتراضات سابقة خطيرة تحول القضاء من أداة ضابطة إلى أداة نزاع سياسي محذرا من أن الاستمرار في تطبيق القانون من دون مراجعته سيقوض وحدة القضاء ويخلق ازدواجية دستورية لكل سلطة قضاؤها الخاص ويضيف الكوت في حديث لـالعربي الجديد أن الجدل لم يعد خلافا قانونيا بل تحولا في طبيعة الصراع الليبي إلى مرحلة مأسسته إذ يسعى كل طرف إلى توظيف أدوات القانون والقضاء لكسب الشرعية مشيرا إلى أن الجميع يوظف ورقة التشريع بلا سند دستوري فيشرع أو يطعن بحسب المصلحة السياسية وفي الوقت الذي يعتبر فيه الكوت أن تقاذف المجالس البيانات بينها بالتهم لا يكشف عن شيء سوى عن سوء الأوضاع السياسية التي قد تصطدم بها خريطة الطريق السياسية الحالية وقد تدفع الأوضاع إلى تبنيها خيار الاستفتاء على استبعاد كل الهيئات السياسية الحالية وهو أمر خطير للغاية قد يدخل البلاد في حالة فراغ سياسي حاد يحذر من أن المساس بالبنية القضائية وتحويلها إلى ساحة تنازع سياسي قد يدخل البلاد في حالة صدام أكثر حدة من الجمود السياسي الحالي بأن يهدد وجود الدولة من أصلها ويؤكد الكوت أن القضاء هو الحقل الوحيد الذي تتقاطع عنده كل السلطات لكن انقسام المشهد بين محكمة عليا في طرابلس وأخرى دستورية في بنغازي سيهدد أوضاع الكثير من القوانين المهمة ويجعلها عرضة للمصالح الضيقة مثل قانون النفط والقانون المالي المرتبط بالمصرف المركزي وسيطاول الاتفاقات الدولية التي ستفقد الأمان القانوني ويهدد ملفات استحقاق أخرى مثل تنظيم الانتخابات التي تحتاج جهة قضائية مستقلة يحتكم إليها للفصل في الطعون