اللامركزية الطبيعية
على الأقل في العشرين سنة الأخيرة، تردّدت كلمة اللامركزية في بلد ذي حكم مركزي للغاية، أكثر مما ذكرت في كل البلدان اللامركزية، وهي أغلب الدول بالطبع.
المفارقة أن بدء التفكير في نظام لامركزي من قلب المركز تماماً، كتبت الصحافة، شُكّلت لجان، اجتمع استشاريون، صاغوا خططاً وقانوناً، رسموا خرائط، تناقشوا كثيراً بضابطة البناء والضرائب وتعبيد الطرق، بترخيص محلات المشروبات وورش الحدادة التي تصدر أصواتاً مرتفعة، بمصانع الإسمنت والملاهي الليلية، بالتصاميم المخلّة على اللوحات الإعلانية في أراضي البلدة، وبكل ما يخطر على البال من احتمالات لاختلاف وجهات النظر بين المركز والمحليات.
تعمّق النقاش أكثر ليبيّن الفارق الجوهري بين اللامركزية الإدارية واللامركزية السياسية، وتمركز التباين في الآراء على سؤال: من يعين المحافظ؟ مخفياً في داخله سؤالاً حقيقياً أكبر، عمّا صار المركز مستعداً للتخلي عنه.
وصل ذلك النقاش إلى ذروته قبيل الثورة، بإنجاز القانون 107 الشهير، والذي شاءت الأقدار أن يدخل حيّز التنفيذ حين لم يعد بالإمكان تنفيذ أي شيء، في آب 2011.
ذهب هذا النقاش إلى قاعات أخرى، ليُفرد على الطاولة بوصفه حلاً سياسياً لوضع ساخن، فصار نقاشاً أممياً، ولم يعد نقاشاً داخلياً سورياً، رغم أن بعض السوريين شاركوا خبراء الأمم المتحدة ومراكز الأبحاث، ومؤسسات الثينك ثانك وكان دائماً يستحضر تجارب دول أخرى، ويجري مقارنات معها، ويستخلص منها الدروس والعبر. وفي الأشهر الأخيرة، عاد إلى الأراضي السورية محمولاً في برامج وحقائب مراكز الأبحاث المستقلة، ومنظمات المجتمع المدني العائدة، وبرامج التلفزيون القلقة على السلم الأهلي.
لكنّه في النماذج الثلاثة لم يصل إلى مكان، لأنه، والأفكار والرؤى والاقتراحات المرتبطة به، يخرج من عقل مركزي، يفكر بصورة كليّة، يرسم ويخطط لمربعات متساوية متشابهة، تفعل الشيء نفسه، لكن كل حتّة لوحدها.
مسار رابع (أتمنى واتوقع له النجاح) يسير على التوازي مع ذلك كله، يسير من دون أن يكترث، أو يسمع أصلاً، بما يجري في مؤسسات الدولة، وفي قاعات الاجتماعات، وفي مقرّات المنظمات والمؤسسات البحثية والمدنية، ولا لما يقوله الخبراء، ولما تكتبه الصحافة.
هناك في العالم الواقعي، يلملم
ارسال الخبر الى: