بين غبار الكهف ووهج التحديث كيف خاض الزعيم معركة العقل ضد مخلفات القرون الغابرة
الميثاق نيوز، تقرير خاص ، بينما كانت مختبرات العالم تقتحم الفضاء الخارجي في أواخر السبعينيات، كان اليمن يرزح تحت وطأة اشتباكٍ فكري عنيف بين مشروع الدولة المدنية الوليدة وبين رواسب عهود الإمامة التي كانت ترى في العلم رجساً وفي التحديث مؤامرة.
لم تكن معركة المقدم علي عبدالله صالح، منذ تسلمه الحكم في 17 يوليو 1978، محصورة في ترميم جدران المؤسسات أو شق الطرق فحسب، بل كانت في جوهرها ثورة بيضاء استهدفت العقل اليمني المختطف في كهوف التاريخ، محولةً إياه من رعية تساق بالحق الإلهي المزعوم إلى مواطن يمتلك زمام أمره عبر صناديق الاقتراع
مقصلة الوعي
حين واجهت الجمهورية فتاوى تكفير العلم تفتح الاخداث نافذةً صادمة على حجم التحدي الفكري الذي واجهه قائد يوليو؛ ففي الوقت الذي كان يشيّد فيه صروح الجامعات، كانت هناك تيارات متطرفة تعيش في تابوت محنط، تفتي بكفر من يقول بـكروية الأرض أو دورانها.
لم ينجر صالح إلى الصدام الدموي الذي قد يمزق النسيج الاجتماعي، بل انتهج استراتيجية التنوير الهادئ.
لقد آمن بأن بناء أكثر من 20 ألف مدرسة هو السور الحقيقي الذي سيحمي عقل النشء من الانزلاق نحو بؤر التطرف والقاعدة التي كانت تتحين الفرص لالتقاط الضحايا من جحيم الاضطراب الفكري .
كان الرهان هو تحديث المجتمع من الداخل عبر ربط التعليم بالتكنولوجيا الحديثة، لدفن ماضي الكهنوت تحت أقدام جيل ثورة المعلومات
الميثاق الوطني.. دستور العقل الجمعي لليمنيين
في مايو 1980، اجترح صالح معجزةً فكرية بإنشاء لجنة الحوار الوطني التي ضمت 51 عضواً من مختلف المشارب الفكرية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.
كان الهدف هو صياغة الميثاق الوطني، الذي لم يكن مجرد برنامج سياسي، بل كان وثيقة إجماع أنهت صراع الإيديولوجيات العابرة للحدود لصالح الهوية اليمنية
بفضل هذا المنهاج الفكري، استطاع صالح نزع مخالب المتطرفين وترسيخ نهج الحوار كبديل عن التصفيات الجسدية التي طبعت عهود ما قبل يوليو.
لقد تحول اليمن بفضل هذا الوفاق الفكري من ساحة مفتوحة للتكفير وكواتم الصوت إلى واحة رحبة أشرقت
ارسال الخبر الى: