القيصر لا مكان لا زمان كما لو أن الذاكرة مسرح للتجارب
59 مشاهدة
يطرح مسلسل القيصر لا مكان لا زمان للمخرج صفوان نعمو يعرض على منصة شاشا الكويتية ضمن الموسم الرمضاني الحالي سجالا أخلاقيا حادا حول الحدود بين المأساة بصفتها ذاكرة حية وإعادة إنتاجها بوصفها مواد ترفيهية استهلاكية تعرض للجمهور بهدف تسليتهم في أوقات الصيام المسلسل الذي يعرض من خلال ثلاثيات درامية قصصا مستقاة من حكايات واقعية لمعتقلين ومغيبين قسرا في سجون نظام بشار الأسد يستخدم اسم قيصر وهو الاسم الحركي لفريد المذهان الذي سرب ما يقرب من 55 ألف صورة مروعة لضحايا التعذيب في سجون النظام السوري السابق يرتبط اسم قيصر مباشرة بضحايا السجون العسكرية والأفرع الأمنية خلال عامي 2011 و2013 وفجيعة الأسر التي علمت بمقتل أبنائها من خلال هذه الصور من دون أن يستلموا رفاتا أو وثائق رسمية للوفاة أي أن هذا الملف هو مأساة وطنية ويمثل نكبة مئات الألوف من ذوي الشهداء وما يبدو أكثر فجاجة اختزال هذه الآلام في حبكات درامية مكثفة وشخصيات مسطحة كاريكاتيرية منطوقها يتأرجح بين ثنائيتين حادتين ويعيد توظيف كليشيهات ممجوجة بحوارات ثرثارة مع موسيقى تصويرية تزج المشاهد في مناخ من التوتر لا يحتاجه منطق العمل حتى على مستوى الصناعة الدرامية البحتة لا يبدو أن المسلسل يملك ما يراهن عليه سوى القضية نفسها كما لو أن المأساة تقوم مقام الحبكة وكأن اسم القيصر يكفي ليمنح العمل ثقله الأخلاقي والفني دفعة واحدة لكن حين نبعد العنوان وننظر إلى البناء نجد معالجات ركيكة وتكرارا للمواقف واستسهالا في إعادة تمثيل المأساة أمام جمهور عاش التجربة ولم يخرج منها بعد فالعمل يتكئ على أكثر القضايا السورية الراهنة حساسية وإيلاما للمفارقة فإن هذه المبالغة الدرامية قد تفرغ الفاجعة من ثقلها وتبدو منظومة الإذلال في السجون كما لو أنها أساطير تضخم الواقع إذ يغالي العمل بتجريد عناصر القضية فيعرض جميع الجلادين وعناصر فروع الأمن كما لو أنهم شخصية واحدة وتمنح الضحية خطابا مثاليا يسلبها هشاشتها البشرية وانكساراتها القضية ليست أحقية الفن في تناول مأساة المجتمع فالفن في النهاية هو أحد أشكال الذاكرة ولكن ثمة فرق بين تفكيك الذاكرة وإعادة تصنيعها وبين عمل يغامر ليقترب من المأساة ويعالجها بحذر وآخر يستثمر المأساة بصفتها مادة جاهزة من دون حاجة إلى تقييم حساسيتها الزمنية أو فجاجة مشاهدها بهذا فإن سياق العمل يزيد المعضلة الأخلاقية حدة بدءا من أن أكثر من 112 ألف مغيب بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما زالوا مجهولي المصير إلى أن ملف العدالة الانتقالية لا يزال معلقا وصولا إلى القضايا الثانوية التي يسهل أن تصبح مادة للتداول على مواقع التواصل الاجتماعي وهي التاريخ السياسي لممثلين سبق لهم الصمت أو حتى المشاركة في أعمال تبنت سردية النظام السابق وامتد النقاش ليصل إلى كاتب كلمات شارة المسلسل التي أدتها أصالة نصري وهو حسان زيود الذي سبق وكتب أغنية في عام 2014 يمجد فيها النظام السابق لكن السؤال الأساسي متى يستعاد سرد قضايا بهذا الحجم وأي منطق يحكم هذه الاستعادة في هذا السياق تصبح أي معالجة درامية قفزة فوق سؤال العدالة السجال الذي أثاره مسلسل قيصر لا يحمل الدراما فوق ما تحتمل فالأعمال الدرامية ليست معفاة من السؤال الأخلاقي ولا سيما أن الشريحة المعنية بهذه القضية لم تشف جراحها بعد وثمة مبادئ أخلاقية واضحة في توثيق العنف الجماعي تنطبق أيضا على الصحافة والأفلام الوثائقية من بينها مبدأ عدم الإيذاء أي عدم عرض مادة يمكن أن تضر الضحايا أو ذويهم وتجنب الإباحية العنفية التي تنطوي على تحويل الألم إلى استعراض بصري فالدراما في هذه الحالة تقتحم مساحة يسكنها بشر حقيقيون وليست شخصيات متخيلة وتتعامل مع الذاكرة كما لو أنها مسرح للتجارب متجاهلة النسيج الهش في الوقت الراهن بينما المجتمع لا يزال في طور مواجهة هذه الفواجع في هذا السياق أصدرت رابطة عائلات قيصر منذ أيام بيانا أعربت فيه عن رفضها القاطع لمسلسل القيصر لا مكان لا زمان معتبرة أن دماء الضحايا ومآسي المعتقلين ليست مادة للترفيه أو للإنتاج الفني التجاري جاء في البيان إن جراحنا التي لا تزال تنزف ليست حبرا لسيناريوهات تجارية وأنين أبنائنا ليس مادة للتداول الفني طالبت الرابطة بعدم عرض أي عمل يتناول قضية المعتقلين قبل كشف الحقيقة كاملة وتحديد أماكن الدفن وتسليم الرفات إلى ذويها بكرامة وبعد أن شاعت أقاويل عن إيقاف المسلسل بعد عرض الحلقات الأولى وتفاعل الجمهور على مواقع التواصل الاجتماعي مع احتجاجات من رابطة عائلات قيصر وأوساط شعبية اعتبرت أن العمل لا يعكس عمق المأساة ولا يحترم ذاكرة الضحايا دحض الادعاء القائل بوجود قرار رسمي لإيقاف المسلسل نهائيا نفى مسؤول العلاقات العامة في اللجنة الوطنية للدراما في سورية دلامة علي صحة الأخبار المتداولة حول تعليق تصوير المسلسل أو منع عرضه مؤكدا أن اللجنة لم تتخذ أي قرار بهذا الشأن وأوضح أن شركة الإنتاج لم تتمكن من بيع العمل إلا لمنصة واحدة وأنها اشترت أول ست حلقات فقط مع احتمال أن تكتمل الصفقة عند عرض الحلقة السابعة فيما قال المخرج صفوان نعمو لـالعربي الجديد إن العرض مستمر نافيا إبلاغهم فرق العمل بوقف عرض المسلسل من منصة شاشا الكويتية ونفى صحة الأخبار المتداولة حول إيقاف عمليات التصوير مؤكدا أن تصوير العمل انتهى منذ فترة وأن المخرج وشركة الإنتاج قررا تغيير اسم العمل إلى سجون الشيطان