القطاع الصحي الأوروبي في أزمة عنف واكتئاب وأفكار انتحارية
64 مشاهدة
أظهرت دراسة حديثة لمنظمة الصحة العالمية أن أكثر من 10 من الأطباء والممرضين في دول الاتحاد الأوروبي يعانون من أفكار انتحارية فيما أفاد 32 منهم بأعراض اكتئاب هذه الأرقام الصادمة تسلط الضوء على أزمة الصحة النفسية في أوساط العاملين في الرعاية الصحية الأوروبية الذين كانوا على الخطوط الأمامية خلال جائحة كوفيد 19 ولا يزالون يتحملون تبعات نظام صحي يعاني من ضغط مزمن ونقص متصاعد في الموارد الدراسة التي صدرت الشهر الجاري شملت أكثر من 90 ألف من العاملين في الصحة في 29 دولة أوروبية بين أكتوبر تشرين الأول 2024 وإبريل نيسان 2025 كشفت أن ثلث العاملين تعرضوا للعنف أو التحرش خلال العام الماضي وأن ربعهم يعمل أكثر من 50 ساعة أسبوعيا وهي ظروف تشكل وصفة مثالية لما يسمى لاحتراق النفسي والانهيار الذهني ورغم أن دولا مثل الدنمارك سجلت معدلات أقل نسبيا للاكتئاب بين الأطباء والممرضين 15 فإن الصورة تبدو قاتمة في دول أخرى مثل لاتفيا حيث تصل نسبة المصابين بأعراض اكتئابية إلى 50 من الكوادر الصحية وراء هذه الأزمة النفسية تكمن أزمة بنيوية أعمق في أنظمة الصحة الأوروبية نقص حاد في الكوادر وتزايد الطلب وموارد لا تكفي فمع شيخوخة السكان وتزايد الأمراض المزمنة تواجه المستشفيات عبئا متناميا من دون تعزيزات بشرية كافية يجبر هذا الواقع الأطباء والممرضين المتبقين على العمل ضمن ظروف مجهدة للغاية بأوقات دوام طويلة وأحيانا في أقسام تدار بعدد أقل بكثير من المطلوب في أقسام الطوارئ والطب النفسي خصوصا يتحدث العاملون عن إرهاق جسدي ونفسي مزمن وتعرض دائم للعنف من المرضى أو ذويهم وسط شح في المعدات وتأخر في الدعم الحكومي ما يجعل أداء المهام الأساسية أقرب إلى المعركة اليومية وقد أدت هذه الضغوط إلى موجة استقالات مبكرة وهجرة داخلية وخارجية للعاملين الصحيين نحو دول توفر بيئة عمل أفضل مما يعمق الفجوة في الدول التي تعاني أصلا من ضعف البنية الصحية الدعوة إلى خطة أوروبية شاملة في ظل هذه المؤشرات الخطيرة تتزايد الدعوات من النقابات الطبية ومنظمات الصحة الأوروبية إلى إطلاق خطة شاملة لإعادة هيكلة القطاع الصحي لا تقتصر فقط على الإنفاق بل تشمل تحسين بيئة العمل ودعم الصحة النفسية للعاملين وتعزيز حماية الطواقم من العنف وتقديم حوافز لبقاء الأطباء والممرضين في القطاع العام كذلك تطالب جهات مهنية مثل جمعيات التمريض في الدول الاسكندنافية بإجراءات على المستوى الوطني والأوروبي لمعالجة هذه الأزمة الصامتة قبل أن تتحول إلى انهيار فعلي في الخدمات الصحية الأساسية خاصة في المناطق الريفية والنائية وفي تعقيبها على نتائج الدراسة قالت الدكتورة ناتاشا أزوباردي موسكات مديرة أنظمة الصحة في المكتب الإقليمي الأوروبي لمنظمة الصحة العالمية تختلف الضغوط التي يواجهها الأطباء والممرضون في أنحاء أوروبا من ساعات العمل الطويلة في بلد إلى العقود المؤقتة في بلد آخر أو العنف في أماكن العمل لكن الأثر على الصحة النفسية يبقى واحدا وأضافت نقيس قدرة المستشفيات بعدد الأسرة ونجاح العمليات الجراحية بمعدلات النجاة لكننا غالبا ما نفشل في قياس رفاه العاملين في الرعاية الصحية تظهر هذه النتائج أن الصحة النفسية يجب أن تعامل كمؤشر أداء أساسي تماما كما نفعل مع سلامة المرضى أو القدرة الاستيعابية للمستشفيات فصمود أنظمتنا الصحية لا يمكن أن يتجاوز صمود النساء والرجال الذين يكرسون حياتهم للعناية بالآخرين هذه التصريحات تسلط الضوء على ما خلص إليه أيضا تقرير منظمة الصحة العالمية الوقت للعمل الصادر عام 2022 والذي أكد أن وتيرة توظيف العاملين في القطاع الصحي لا تواكب الطلب المتزايد ما يشكل ضغطا غير محتمل على الأنظمة الصحية والعاملين فيها وبدون تحرك فعلي فإن أوروبا مهددة بمواجهة عجز يقدر بنحو 940 ألف عامل في مجال الصحة بحلول عام 2030 ما تشير إليه دراسة الصحة العالمية هو أن الصحة ليست فقط أرقاما في الميزانيات بل هي قصص يومية لأطباء وممرضين يحاولون تقديم الرعاية وسط ظروف قاسية وصمت بيروقراطي وإذا لم تعد الاعتبار للعامل البشري في هذه المعادلة فقد لا يكون السؤال القادم عن جودة الرعاية بل عن توفرها أصلا في مجتمعات تتجه نحو شيخوخة أكثر وموارد بشرية رعوية أقل من المطلوب وانغلاق ورفض قومي متشدد من استقبال اليد العاملة من الخارج ما يعمق حالة هذا القطاع الصحي وغيره من قطاعات أوروبية