القاهرة على موعد مع العتمة منتصف ليل بلا مسارح ولا مقاه ولا مساحات

33 مشاهدة

في زيارتي الأخيرة مع صديق إلى النادي اليوناني المطلّ على ميدان طلعت حرب في وسط القاهرة، كنا نرفع أعيننا بين الحين والآخر إلى الساعة، حتى لا يداهمنا الوقت. فالإغلاق الذي فرضته الحكومة المصرية كان مقرراً في التاسعة مساءً آنذاك، قبل أن يُمدَّد لاحقاً إلى الحادية عشرة. هذا الموعد بالكاد كان يمثل بداية السهر في مدينة تعوّدت أن تؤجل نومها حتى الصباح.

عند مغادرتنا، بدت القاهرة كأنها تنسحب من نفسها. أضواء المحال انطفأت تباعاً، والواجهات التي كانت تضج بالحياة صارت معتمة، فيما خفتت حركة المارة إلى حد لافت. في الأيام الأولى، تعامل الناس مع القرار بارتباك واضح؛ يتحركون في خطوات متسارعة، ونظرات قلقة، كأن المدينة تستعيد، على نحو مباغت، ذاكرة بعيدة من ليالٍ لم تشهدها إلا نادراً، لعل أقربها ما تلا ثورة 25 يناير 2011، وزمن جائحة كورونا، حين فُرض حظر التجول. بدت المدينة كأنها مدينة أخرى، مع سريان القرار الأخير، في سياق خطة حكومية لترشيد استهلاك الطاقة بسبب الحرب. أُغلقت المقاهي، وألغت دور السينما حفلاتها المسائية، وبكّرت المسارح موعد عروضها لتتوافق مع موعد الإغلاق، كأن المدينة أُعيدت برمجتها قسراً.

يقال إن القاهرة مدينة لا تنام، فهل كانت دوماً هكذا، أم أنّ هذا الوصف مجرد مبالغة حديثة غذّتها السينما والذاكرة الشعبية؟ الواقع أن تتبّع تاريخ المدينة يكشف أن هذا اللقب ليس طارئاً تماماً، وإن ترسّخ بصيغته الحالية في القرن العشرين، مع اتساع المجال الحضري، وتكثّف الحياة الثقافية في وسط المدينة.

ربما للمرة الأولى يُعاد تعريف ليلها بهذا الشكل المفاجئ

في كتابه منتصف الليل في القاهرة (دار الكتب خانة/ ترجمة علاء الدين محمود، 2024) يرصد الكاتب البريطاني رفاييل كورماك كيف تحوّل الليل في القاهرة، خلال النصف الأول من القرن الماضي، إلى مساحة موازية للحياة الرسمية؛ فضاء تختلط فيه السياسة بالفن، وتتشابك فيه الطبقات الاجتماعية داخل المسارح والملاهي والمقاهي. لم يكن الليل مجرد امتداد زمني لنهار طويل، بل كان عالماً قائماً بذاته، له إيقاعه الخاص وقوانينه غير المكتوبة.
أما كتاب القاهرة: المدينة المنتصرة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح