القاضي يحيى الشعيبي
74 مشاهدة
في زمنٍ صار فيه الوفاء عملةً نادرة، وجدته.وفي زمنٍ تُغلق فيه أبواب العبقرية حين تُفتح أبواب القرابة، وجدته.
وفي زمنٍ تتعب فيه العدالة من كثرة ما يحيط بها من غبار، وجدته واقفًا حيث ينبغي للعدل أن يقف.
وجدته خارج المذهب الذي جعل القرابة سلّمًا إلى الوظيفة، والمحسوبية جسرًا إلى المكانة، والاسم مفتاحًا للأبواب المغلقة؛ وجدته من أولئك الذين لا يستمدون هيبتهم من الكرسي، بل يجعلون الكرسي يستمد شيئًا من هيبته منهم.
إنه القاضي رئيس نيابة الاستئناف الجزائية يحيى الشعيبي؛ رجلٌ إذا اجتمعت فيه صرامة القانون لم تطرد منها إنسانية التعامل، وإذا حضرت فيه قوة الشخصية لم تغب عنها رقة الطبع، وإذا اشتدت لديه الرؤية لم تضق بها مساحة الإنصاف.
حزمٌ بلا قسوة، ولينٌ بلا ضعف، وهيبةٌ بلا استعلاء، ونشاطٌ لا يحتاج إلى ضجيج كي يُرى.
والأعجب من كل ذلك أنني لم أعرف الرجل إلا يومًا واحدًا.
نعم، يومٌ واحد!
لكن بعض الأيام تُشبه المرايا؛ لا تطيل الوقوف أمامها، لكنها تكشف لك وجهًا كاملًا. وبعض الرجال لا تحتاج إلى سنواتٍ كي تعرف معدنهم؛ يكفي أن تضعهم في لحظةٍ واحدة أمام ميزان المسؤولية، فإذا بالموقف يفتح لك كتابًا كانت صفحاته مكتوبةً قبل أن تعرف عنوانه.
عرفتُه يومًا، فإذا وراء اليوم سنوات.
ورأيتُ موقفًا، فإذا وراء الموقف مسيرة.
ولمستُ حضورًا عابرًا، فإذا خلفه أثرٌ لا يُقاس بمدة اللقاء.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق أن تُروى:
قد تعرف إنسانًا عشرين عامًا ولا تعرف منه إلا اسمه، وقد تلتقي رجلًا يومًا واحدًا فتدرك أن وراء الصمت تاريخًا، ووراء الهدوء عاصفةً من العمل، ووراء الملامح العادية سيرةً لا تحتاج إلى زينة.
القاضي يحيى الشعيبي من ذلك الطراز الذي لا يرفع راية نفسه؛ لأن عمله يرفعها عنه. لا يطرق أبواب المديح؛ لأن أبواب الأثر مفتوحة لمن أراد أن يرى. ولا يحتاج إلى أن يعلن عن حضوره؛ فبعض الرجال يحضرون في المكان فتتراجع الضوضاء، ويتقدم المعنى.
وفي زمنٍ أصبح فيه المنصب عند البعض غايةً، رأيته وظيفةً من
ارسال الخبر الى: