القارئ والكاتب
هل صحيح أن مشاعر الكاتب تنتهي مع الكلمة، أو النقطة الأخيرة التي يضعها في روايته أو قصيدته، وقصته، أم أنها تنتهي بطباعة كتابه، وتحوله إلى مادة أخرى، مقروءة، يتناولها أشخاص آخرون، وتولد لديهم مشاعر جديدة مختلفة عن مشاعر الكاتب؟
أقرأ هذا الرأي، وأفكر أن فيه الكثير من الصواب. فالكاتب يضع ثقله الفكري والوجداني والعاطفي كله في المادة التي يكتبها، لتكن الرواية مثالنا هنا. منذ أن يبدأ السطر الأول في الكتابة، تخلق لدى الكاتب عشرات المسائل، والمشاكل، التي يتطلب حلها جهداً إبداعياً شديد الخصوصية، يستنزف، في مرات كثيرة، قواه النفسية والعقلية، كما يستنزف قواه الروحية.
وحين تنتهي الكتابة، يتخفف الكاتب من أعباء العمل: الموضوع من جهة، والحكاية التي يعاد خلقها وفق اعتبارات مختلفة، ومعايير فنية، من جهة، والشخصيات التي تستعار من هنا، وهناك، وتبدو كياناً جديداً مختلفاً عن كل كائنات الأرض، بحيث تضيف إليها شخصاً قادماً من الخيال، وسيبقى في الخيال، ومع ذلك فإنه يترك أثراً أكثر قوة، أو يعادل آثار الكثير من البشر الأحياء الذين هم من لحم ودم، من جهة ثالثة.
حين تنتهي الكتابة يتخفف الكاتب من أعبائها ويأتي دور القارئ
هنا ينتهي دور الكاتب، ويأتي دور القارئ، وهذه من إحدى الميزات التي يستمد الفن والأدب منها تأثيره، فشكل الأحداث قد تتغير في صور التلقي، لكن عالم القراءة يحفل بصور كثيرة لقراءات تزيد في ثراء الأعمال الفنية العظيمة وخصوبتها، إذ تعاد قراءة الروايات، والمسرحيات، والقصائد، بروح المعرفة، بمنطق من يريد أن يرى في العمل الفني مساحة واسعة، لا توضع فيها على كاهل الكاتب أي مسؤولية فنية أو فكرية، أو أيديولوجية. لا يطارد القارئ في مثل تلك القراءات الكاتب، بل الفكرة، والشخصية، والحدث.
ولهذا، وبمثل هؤلاء اغتنى عالم القراءة بآلاف الأفكار الجديدة، يكفي أن نقرأ في كتاب يان كوت شكسبير معاصرنا مطلع الفصل الذي يناقش فيه شخصية هاملت، حيث يقول إن عناوين الأطروحات والدراسات التي كتبت عن هاملت تساوي وحدها حجم دليل التلفون لأي عاصمة كبرى.
ثمة الكثير من القراءات
ارسال الخبر الى: