الفلسطيني في سورية ترميم ذاكرة ثقافية منهوبة
جاءت ردة فعل السوريين غاضبة وقاسية، في الأيام الماضية، تجاه سلوك أحد الصحافيين السوريين، إثر هجومه على زميل في المهنة؛ فلسطيني الانتماء سوري الإقامة، من خلال التعريض بأصله، وسؤاله: ما شأنك أنت بسورية والسوريين؟
حادثة تذكر بممارسات سلطة الأسد التي حاولت مراراً استخدام السؤال ذاته أداةً لفصل التجربة المشتركة بين السوريين والفلسطينيين، ففي التحقيقات داخل فرع فلسطين التابع للاستخبارات العسكرية السورية، في ثمانينيات القرن الماضي، كان السؤال الذي تكرر طرحه على كثير من السوريين الذين اعتقلوا بعد أن شاركوا في نشاطات أو مظاهرات مرتبطة بفلسطين، في دمشق أو في مخيم اليرموك أو في أي منطقة سورية: أنت سوري، ما دخلك بفلسطين؟ وكأن المطلوب دائماً هو إعادة الإنسان إلى قفص الهوية الضيقة، ومنعه من رؤية نفسه داخل سياقه الطبيعي.
لهذا، يبدو استخدام الصيغة المعاكسة للسؤال نفسه: أنت فلسطيني، ما دخلك بسورية؟ أشد مرارة، حيث تظهر طبيعة هذا المنطق الذي لا يرى في التاريخ الواحد سوى عبء يجب التخلص منه، ولا يرى في التعبيرات الثقافية والاجتماعية والإنسانية المشتركة التي تشكلت عبر عقود سوى مشكلة سياسية يجب ضبطها.
صحيح أن المجتمعات لا تتوقف عن إنتاج هوياتها المحلية والمناطقية، وأن النزعات الضيقة قد تتصاعد أحياناً تبعاً للظروف السياسية والاجتماعية، لكن الأحداث الكبرى تمتلك قدرة على كشف ما هو أعمق من هذه الانقسامات.
فلسطين شكّلت سؤالاً أساسياً لدى الكتّاب والفنانين السوريين
ولعلها واحدة من المفارقات الكبرى في تاريخ المنطقة، أن النكبة الفلسطينية عام 1948 كانت أكبر الأحداث التي كشفت هشاشة الحدود السياسية التي فرضتها اتفاقية سايكس بيكو، فالتقسيم الذي وزّع بلاد الشام إلى كيانات سياسية منفصلة بين سورية ولبنان والأردن وفلسطين بدا كأنه نجح على المستوى الإداري والسياسي، في إنتاج هويات وطنية منفصلة، لكن الحدث الذي شتّت الشعب الفلسطيني، كشف بصورة عنيفة ومأساوية، أن مصائر جميع سكان المنطقة ما تزال متشابكة إلى حد بعيد، وأن الكارثة التي حلّت بفلسطين لم تبقَ داخل فلسطين وحدها. وآثارها تمتد مباشرة إلى حيوات المحيطين بها، وهو ما ينأى بمفهوم
ارسال الخبر الى: