العنصرية في الصور انعكاس العلوم الزائفة على الأيقونوغرافيا الغربية
58 مشاهدة
يسعى كتاب العنصرية في الصور التفكيك معا للفرنسيين الأنثربولوجي باسكال بلانشار والمؤرخ جيل بويتش إلى تتبع تاريخ العنصرية في العالم من خلال استكشاف مفاهيم مثل كراهية الأجانب ومعاداة السامية والعبودية والفصل العنصري والنزعة الاستشراقية وغيرها ويعتمد المؤلفان مقاربة تركز صراحة على الأيقونوغرافيا لا باعتبارها مجرد مجموعة من الرسوم التوضيحية بل بوصفها حوامل لتمثلات الآخر ووسائط قائمة بذاتها لنشر هذه التمثلات وتعد تنوعية الصور المعتمدة لافتة للنظر إذ يقدم الكتاب مارتينيير بي ال 2021 لوحات فنية وإعلانات ومنشورات وصورا فوتوغرافية وملصقات وقد اختار بلانشار وبويتش دراسة صور صادرة عن العالم الغربي مع التشديد على أن العنصرية تتميز جزئيا بغياب تأثير المرآة الذي يحرم الآخر المعرقن من حق الرد ويتيح تحليل هذه الوسائط المختلفة فهم الانتقال من عنصرية علمية قائمة على دراسة تنوع الأجساد والثقافات إلى عنصرية أصبحت شعبية بفعل نشر الصور النمطية العرقية لدى الجمهور الواسع عبر هذه التمثلات الأيقونوغرافية يهدف الكتاب إلى القيام ببحث منهجي وشامل من أجل تحديد تلك الصور التي قرنا بعد قرن أنتجت ثقافة بصرية يمكن وصفها بأنها مدمرة للأفراد والهويات ويتمثل المقصود في توضيح كيف أن هذه التمثلات الأيقونوغرافية ليست مجرد توضيحات بل تسهم بذاتها في إنتاج معايير عنصرية ونقل صور نمطية بما يكرس ثنائيات مثل متحضر متوحش أو أبيض غير أبيض ويتمثل هدف بلانشار وبويتش في مرافقة القارئ بأسلوب تربوي عبر أمثلة ملموسة لتفكيك العلاقة بالصور وبالصور النمطية المرتبطة بالعرق يتكون الكتاب من مقدمة تليها أربعة أقسام ينقسم كل منها إلى أربعة فصول فرعية ويصاحبه 24 نظرة على الصورة قدمها عدد من الشخصيات العامة باحثون فنانون أو كتاب من الرياضي ليليان تورام إلى المؤرخ بنجامين ستورا مرورا بالروائية ليلى سليماني كيف بنيت صورة العربي لدى الغرب بوصفه خطرا مخادعا ومتعصبا في المقدمة يشدد المؤلفان على أن تطور العنصرية ظاهرة قديمة وينطلقان من فرضية مشتركة بين جميع المجتمعات فبمجرد الشروع في تعريف نحن تطرح مسألة الآخر غير أن هذا المسار اتخذ في أوروبا بعدا خاصا مع تشكل خطاب منظم يقترح تراتبية وتعرقة للأفراد ويرجع اختراع مفهوم العرق إلى القرن السادس عشر وإلى إدراج الإنسان ضمن المملكة الحيوانية ما جعله موضوعا للدراسة بحد ذاته وترافق ذلك مع تطور العلوم الزائفة التي سعت إلى إضفاء طابع موضوعي داخل خطاب علمي على الفوارق الجسدية بين البشر وربطها بالمزاج أو القدرات الذهنية وفي هذا السياق ظهرت الأيقونوغرافيا لجعل هذه الفوارق محسوسة وملموسة لدى فئات من السكان كانت قليلة القراءة والسفر ومنذ القرن السابع عشر شهد إنتاج الصور المرسومة توسعا كبيرا مع تطور الصحافة والرسم والتخطيط ثم في القرن التاسع عشر مع التصوير الفوتوغرافي والبطاقات البريدية والمجلات ولاحقا مع السينما ووسائل التواصل الاجتماعي يخصص القسم الأول من الكتاب لـتراتبية الشعوب حيث تدرس الحروب الصليبية والعبودية وعمليات التمييز ثم التراتب والكاريكاتير ويتناول المؤلفان الدين بوصفه عامل تمييز وإقصاء مع التوقف عند العلاقة مع الشعوب المسلمة وبناء صورة العربي عبر القرون منذ الحروب الصليبية وصولا إلى الاستعمار ـ بوصفه خطرا مخادعا ومتعصبا كما أنتجت العبودية وتجارة الرقيق عددا كبيرا من التمثلات الأيقونوغرافية التي استخدمت لتبرير الاتجار بالبشر وادعاء دونية السود وكذلك لدعم الحجج المناهضة للعبودية ويقدم المؤلفان أيضا تحليلا تاريخيا للمسار شبه العلمي الذي قاد إلى تصنيف السكان إلى أعراق ووضع أنماط تقسم العالم ويختتم هذا القسم بتحليل البعد العنصري للكاريكاتير الذي يشوه الوجوه لوصم الجماعات المعرقنة إلى حد جعلها مخيفة أو حتى متوحشة أما القسم الثاني من الكتاب وتحت عنوان نمذجة العالم فيقترح مساءلة الديناميات الكبرى في تاريخ العنصرية موضحا الاستعمار نزع الاستعمار وصناعة الأنماط الجسدية والإثنية وكذلك البعد الجنسي للاستشراق وعرض الأجساد في حدائق الحيوان البشرية ويشير المؤلفان إلى اختلال في إنتاج الصور وذلك بين الكم الكبير من الصور التي خدمت تبرير المشروع الاستعماري وتلك الأقل عددا التي نقلت خطابات مناهضة للاستعمار كما كانت الصور وسيلة لتجوهر الهويات الجسدية عبر تنميط الأجساد والشخصيات بحسب الانتماء الإثني من خلال أساطير مثل المتوحش أو آكل لحوم البشر ويرتبط الاستشراق بتشييء النساء المستعمرات جنسيا بوصفهن جذابات ومنفرات في آن لكن قبل كل شيء متاحات للمستعمرين ما يضاعف الهيمنة العرقية بهيمنة جنسية ويسمح عرض الأجساد في العروض الإثنية وغيرها من حدائق الحيوان البشرية بنشر خيال عنصري لدى الجمهور العام قائم على حيونة الآخر المعرقن وتبرير المشروع الاستعماري في القسم الثالث بعنوان تطرف المخاوف تدرس كيفية بناء الخوف ـ خصوصا عبر الصور والكاريكاتيرات العنصرية ـ وما يقود إليه من تمييز وفصل عنصري وكيف يساهم في تعزيز أيديولوجيات مثل الفاشية والتفوق العرقي ومعاداة السامية وتدرس معاداة السامية تاريخيا وكذلك عبر التمثلات الأيقونوغرافية التي شكلت تدريجيا خيالا عنصريا يربط اليهود بسمات جسدية وشخصية محددة وبينما يعد التمييز فعلا فرديا وإن كان ضمن سياق سياسي فإن الفصل العنصري يمثل فعلا مؤسسيا للفصل بين السكان قائما على معايير مثل الدين والوضع السياسي والنوع الاجتماعي والعرق ويجسد الفصل العنصري في الولايات المتحدة هذا المنطق وقد غذته أيقونوغرافيا غنية مرتبطة بالحركة الانفصالية وبحركة المطالبة بالمساواة كما تمكن التمثلات الحركات الفاشية والتفوقية من المطالبة بـقوة البيض والحفاظ على نقاء العرق في مواجهة أخطار الاختلاط العرقي والانحطاط الحضاري المزعوم اعتماد مقاربة تربوية لمواجهة إعادة تشكل بعض الحركات العنصرية nbsp ويبرز القسم الأخير من الكتاب والمعنون تقسيم الهويات كيف أن النظر إلى الأفراد حصريا من زاوية العرق يشكل تبسيطا وإفقارا فمفهوم المهاجر هو وسم مفروض يحكم على الأفراد بعدم الانتماء الكامل إلى الجماعات ويعد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا رمزا لتصور للمواطنة مرتبط بعمق بالعرق يفصل بين شعب أبيض منتخب شرعي وغير البيض بوصفهم أدنى وتتطرق الفقرة الأخيرة إلى رهاب المثلية وكراهية النساء بوصفهما شكلين آخرين من أشكال الاضطهاد القائم على فكرة الدونية وإقصاء من لا ينتمون إلى المعيار الذكوري والمغاير جنسيا في الخاتمة يعود المؤلفان إلى منهجهما القائم على دراسة الصور وتفكيكها من أجل تفكيك الافتراضات التي تستند إليها ومنحها دلالة جديدة وجعل آثارها الضارة مسموعة ومن خلال تفكيك الأيقونوغرافيا والآليات التي تبنى عليها يتم في الواقع تفكيك المخيلات الجماعية وكشف تحيزاتها ويختتم الكتاب بتأمل حول ضرورة اعتماد مقاربة تربوية تتجاوز الحكم الأخلاقي البسيط لمواجهة إعادة تشكل بعض الحركات العنصرية وعودتها بدل الاكتفاء بإسقاط هذه الآثار أو محوها يتمثل الإسهام الأساسي للكتاب باختياره مقاربة أيقونوغرافية ليست جديدة فحسب بل شديدة الطابع التربوي فوجود الصور ووصفها يتيح للقارئ فهما ملموسا للصور النمطية المنقولة واستيعاب الآليات التي تغذي الخطابات العنصرية كما أن الاستعانة بشخصيات معروفة لدى الجمهور العام يقدم كل منها تحليلا لتمثل بصري معين تعزز الإحساس بالقرب من القارئ ويشاد أيضا بسعة المشروع الذي يعالج المخيلات العنصرية من القرن الثامن عشر إلى مطلع القرن الحادي والعشرين في بعدها الدولي يؤخذ على الكتاب غياب تعليق وتحليل للسياسة الخارجية الفرنسية الراهنة تجاه البلدان الأفريقية وهو ما كان من شأنه إدخال مفاهيم مثل الاستعمار الجديد أو الأبوية كما اختار المؤلفان تعميق تحليل بناء المخيلة المرتبطة بـالأسود واليهودي والعربي عبر العودة إلى المسار التاريخي وكان يمكن استكمال ذلك بتحليل مماثل لبناء صورة الآسيوي أو الشعوب الأصلية إذ إن الشعوب الأصلية في الأمريكيتين تكاد تكون غائبة عن الكتاب إضافة إلى ذلك كان يمكن ربط القسم الأخير المخصص لكراهية النساء ورهاب المثلية بالعنصرية بشكل أوثق من خلال دراسة مسألة المثلية الجنسية في السياقات الاستعمارية nbsp nbsp كاتب وباحث سوري مقيم في فرنسا