هذه العسكرة

43 مشاهدة

في جمعةٍ ليست بعيدة، تأخّرتُ عن صلاتها فدخلت أوّل ما صادفني من مساجدٍ في وسط القاهرة، امتلأ متنه فافترشت رصيف الهامش مع المتأخرين من أمثالي، نتابع الخطبة عبر مكبّرات الصوت، والخطيب يؤكّد لنا (أو ربّما لغيرنا ممّن يتابعه) أنّ حبَّ الوطن من الإيمان، ورغم أنّ محبّة الوطن لا محلّ لها من الإعراب في وقت الإبادة، إلا أنّه لا مانع، لنسقط التكليف ولننصرف إلى حال سبيلنا، أنا هنا لأصلّي لا لأتفلسف أو لأتخانق.

فجأة انقلبت النبرة وتصاعدت حتى أصبحت صراخًا التقطتُ من ضوضائه شتماً للعيال الخنافس بتوع حقوق الإنسان والديمقراطيّة، وعن حقيقة كونهم جواسيس يقبضون باليورو والدولار، ويستقوون بالخارج ويعملون طابوراً خامساً يهدمون البلاد ويخربون الحياة على العباد، وأنّ بقاءهم وسطنا (من يقصد بنحن، وما الذي يجب فعله كي لا يبقوا وسطنا؟) يهدّد باحتلال وخراب وفحش ودعار.

كان بعض الجالسين يعرفني، أربكني الأمر قليلًا إلى أن بدأنا نتبادل الابتسامات والغمزات، بتردّد في البداية ثم بما يشبه الضحكات قرب الختام، وحين انتهت الصلاة كان غالب المصلّين يشتمون وهم يلبسون أحذيتهم، لا الخونة الذين هاجمهم الخطيب، إنّما الخطيب نفسه ومن عيّنه ومن كتب له الخطبة والضابط الحمار الذي يشغّلهم جميعًا.

لم يكن غضبًا بقدر ما هو سخرية، وربّما قرف، تأسّسا على وعيٍ مكتوم بحقيقة الحال: من يشغّل من ولماذا؟ توقّف الحاضرون عن التعامل مع المسجد بصفتها فضاء عبادة، ولا الخطبة باعتبارها شيئًا يعنيهم، إنّما خلفيّة موسيقيّة مزعجة لفريضة وجب عليهم القيام بها، ولا وجه لذلك إلا بحضور هذا القيء الأمني على المنابر، حسنًا لنتجاهل ما يقول المخبر الخطيب، ونصلّي صلاتنا، ثمّ ننصرف.

لم يعد السابق من أداءِ الدولة في صورها الزائلة كافيًا، ولم تعد العسكرة الماديّة في صورها المباشرة (جيش وشرطة وقضاء وإعلام وسينما وطرق وكباري...) كافيةً، إذ يتفلّت منه شيء اسمه الاعتقاد، وإن كان محلّه القلب، لكنّ للقلوب مسالكها، وإن كانت القلوب تتعلّق بـالله حقيقةً أو ادّعاءًا أو تقليدًا. وهكذا حوصر الناس برًا وبحرًا وجوًا، والهاربون من قمع العسكر على الأرض إلى

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح