الطبيعة وصناعة الحبكة في روايات إبراهيم الكوني وسمير يوسف

67 مشاهدة
لا يرتبط الحضور المتزايد للطبيعة في الرواية العربية بتنامي الوعي عالميا بالتغيرات المناخية والمشكلات البيئية التي تؤثر في تفاصيل الحياة اليومية فحسب إنما بات هذا الفضاء بما يحمله من تمثلات رمزية وحضور في مجرى الأحداث عنصرا أساسيا في السرد فهو يعبر عن محاولة لفهم العلاقة بين الإنسان ومحيطه بوصفها علاقة وجودية وأخلاقية وسط الحروب والأزمات من بين النماذج البارزة في هذا الاتجاه تجربتان تبدوان متباعدتين جغرافيا وزمانيا لكنهما تلتقيان في جوهر الرؤية الكاتب اللبناني سمير يوسف في روايته غابة دار نوفل 2025 والكاتب الليبي إبراهيم الكوني في عمله التأملي معزوفة الأوتار المزمومة دار سؤال 2016 كلاهما يعيدان تعريف الطبيعة لا بوصفها خلفية للأحداث بل بكونها قوة حية تشارك في صياغة المعنى الإنساني وتختبر حدود الحضارة المعاصرة في علاقتها بالكون يكتب الكوني بوعي أنثروبولوجي عميق يجعل من الطبيعة نصا مفتوحا للتأمل الصحراء والثلج الشجر والرياح كلها تتحول في نصه إلى علامات للوجود الإنساني في مزيج من الفلسفة والميتافيزيقا والشعر ولا يصف الطبيعة كما ترى بل كما تتجلى فحين يقول إن اصفرار أوراق الأشجار تجسيد لأنفاس النزع الأخير فهو يخلع على المشهد البيئي حسا إنسانيا خالصا يجعل من الدورة الطبيعية مرآة للمصير البشري ينتقل الكاتب من الجنوب الليبي إلى الشمال الأوروبي من صحراء الطين إلى ثلج الألب غير أن هذا الانتقال لا يبطل جوهر رؤيته فسويسرا الوطن البديل ليست نقيض الصحراء بل انعكاسها في مرآة أخرى هناك في الفردوس البارد يختبر الكوني الغربة ذاتها ويتساءل هل يمكن للإنسان أن ينفصل عن طبيعته الأولى يتحول المكان عنده إلى حقل دلالي للبحث عن الأصل لا عن الجغرافيا كل تضاد صحراء ثلج جنوب شمال ليس سوى صدى لسؤال واحد أين يقف الإنسان من الكون ومن ذاته لغته الفلسفية التأملية تستدعي التراث الصوفي والحكمة القديمة لكنها لا تنغلق عليهما بل تمزجهما بتجربة المنفى الحديثة ليقول إن الطبيعة لم تعد مجرد مأوى بل كائن حي نسي أن يصغى إليه تشكل الطبيعة عنصرا أساسيا في السرد بتأثيرها على الحدث أما أحداث رواية غابة فتدور في قرية فرنسية صغيرة تدعى ميتسا حيث يثور الجدل حول مشروع لإنشاء بلدة تكنولوجية على غرار وادي السيليكون يقف توماس رئيس البلدية ضد المشروع الذي يهدد ذاكرة المكان وجماله مدفوعا بحبه للطبيعة وحنينه إلى زمن أكثر بساطة وتوازنا تبدأ الرواية بمشهد عملي حين يحمل توماس غالونات البنزين وحزم القش في الثلج ويشعل النار في البيوت الخشبية والآليات بعد فشل كل أشكال المقاومة السلمية إن كانت حبكة الرواية واضحة صراع بين الطبيعة واللاطبيعة التكنولوجيا رأس المال يمكننا عندها تقسيم شخصيات الرواية إلى معسكرين المعسكر الأول يضم توماس إيلينا حبيبته صديقه ماكس وآري العشرينية ابنة عصر شبكات التواصل التي تستخدم المنصات الإلكترونية للدفاع عن الغابة يركز هذا المعسكر على حماية الأرض والجبل والطبيعة ومواجهة غول التكنولوجيا حتى داخل المعسكر الواحد توجد اختلافات في الرأي والأسلوب توماس يختلف مع إيلينا حول الأساليب المناسبة للدفاع عن الغابة وتكثر بينهما النقاشات حول الجمال والعنف والتكنولوجيا مع آري حول دور الجيل الجديد في المقاومة الرقمية ومع ماكس حول المدى الذي يمكن الذهاب إليه في مواجهة المشروع كل شخصية لها وجهة نظر منطقية وخصوصية في الدفاع عن قيمها المعسكر الثاني يضم أصحاب المشروع ذوي الأموال الطائلة روبرت رئيس اللجنة المؤيدة للمشروع وعددا من المواطنين الذين يرون أن البلدة التكنولوجية ستنقذ القرية اقتصاديا وتفتح فرص عمل ويعتبرون التقدم التكنولوجي ضرورة لضمان المستقبل هذا المعسكر يبرر موقفه بالمنافع الاقتصادية والاجتماعية يقف بين المعسكرين آندري النقيب المسؤول عن القانون الذي يسخر بأنهم في هذه الضيعة ليسوا مجهزين ولا مدربين إلا لفض مشاكل بين قرويين يختلفون على صياح الديكة ونباح الكلاب يسخر من نفسه ومن قدراته ومن القانون العاجز عن الدفاع عن المواضيع الكبرى رغم كونه صديقا لتوماس ويحاول التوازن بين الواجب الشخصي وتطبيق القانون

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح