الضياع الهادئ حين يتوقف الجسد عن توليد الرغبة
هناك أيام تمرّ بنا لا نكون فيها حزانى تماماً، ولا سعداء، ولا حتى قريبين من شعورٍ واضح. أيام خفيفة وثقيلة في آن واحد، كأنها تُسحب منّا سحباً دون أن نشارك في سيرها. لا رغبة تدفعنا، ولا حلم يشدّنا، ولا صوت داخليا يوقظ شيئاً كان نائماً. فقط… حالة من الضياع الهادئ، وصمت داخلي يشبه الوقوف على حافة لا نعرف ما خلفها.
هي لحظات لا يريد فيها الجسد شيئاً، ولا يتذكر القلب لماذا كان يركض. لحظات تتبخر فيها الرغبات كما يتبخر الضباب حين يلامسه ضوء خفيف. لا نعرف كيف دخلنا هذا الفراغ، ولا كيف نخرج منه. كل ما نعرفه أننا هنا، في منتصف الطريق بين اللامبالاة وما يشبه التفكير.
الضياع ليس صدمة، وليس خوفاً، وليس حتى تشتتاً عابراً. إنه حالة أعمق؛ حالة يصبح فيها الإنسان عاجزاً عن توليد الرغبة نفسها، وكأن المصنع الداخلي للعزيمة توقّف فجأة لصيانة غير مقرّرة.
ليس لأننا ضعفاء، بل لأن الروح تتعب أحياناً بطريقة لا يفهمها أحد، حتى نحن. هناك رغبات تسقط منّا دون صوت، وطموحات كانت تلمع كنجمة بعيدة تنطفئ فجأة، كأن أحدهم نفخ عليها.
الضياع ليس صدمة، وليس خوفاً، وليس حتى تشتتاً عابراً. إنه حالة أعمق؛ حالة يصبح فيها الإنسان عاجزاً عن توليد الرغبة نفسها
وهذا الانطفاء لا يعلن نفسه، لا يصرخ، ولا يتكسر؛ إنه يتلاشى فقط، بهدوء خجول، كأنه لا يريد أن يزعج أحداً. وفي القرآن، ترد عبارة تلامس هذه الحالة بلطفٍ عميق: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾
فهذا الضعف ليس عيباً، بل اعترافٌ بنصفنا الآخر… نصفنا الذي يسقط أحياناً ولا يجد تفسيراً لسقوطه.
والضياع الهادئ أحد وجوه هذا الضعف الإنساني؛ صورة لا تظهر إلا عندما يهدأ كل شيء بداخلنا، فنصبح كفكرة لم تكتمل بعد. في تلك اللحظات، لا يعود العالم كما كان. الأشياء هي نفسها، والوجوه هي نفسها، لكن الإيقاع تغيّر.
كأننا نراقب حياتنا من نافذة صغيرة؛ لا نشارك فيها بقدر ما نشهدها. نعرف أننا نعيش، لكننا لا نشعر باندفاع العيش. نعرف أننا نريد شيئاً،
ارسال الخبر الى: