عبد الصمد الفاطمي الذكاء الاصطناعي من بيت الحكمة إلى وادي السيليكون

88 مشاهدة
بخلاف الاعتقاد الشائع عن الذكاء الاصطناعي بوصفه طفرة تقنية معاصرة فإن التأمل في امتداده التاريخي يكشف عن مسار معرفي طويل تداخلت فيه الفلسفة بالرياضيات والتجريب بالمنطق وتراكمت خلاله تصورات الإنسان عن العقل والآلة عبر قرون من زاوية النظر هذه يسعى الباحث المغربي عبد الصمد الفاطمي في كتابه فجر الذكاء الاصطناعي الشامل مسيرة التكوين والرهانات العربية دار توبقال للنشر 2026 إلى إعادة تأطير الذكاء الاصطناعي داخل سياق حضاري أوسع بوصفه امتدادا لذاكرة فكرية عميقة ومتشعبة تعود جذورها إلى الحضارة الإسلامية حيث أرست مؤسساتها العلمية مثل بيت الحكمة أسس التفكير المنهجي انطلاقا من هذا التصور يستعرض الكتاب إسهامات أبرز المفكرين والعلماء المسلمين من الخوارزمي الذي أسس القواعد الإجرائية للجبر والخوارزميات إلى الكندي الذي طور الاستدلال الإحصائي وابن الهيثم الذي رسخ المنهج التجريبي القائم على الملاحظة والتحقق وصولا إلى الفارابي وابن سينا اللذين بلورا أنظمة منطقية ومفاهيمية تماثل في جوهرها ما تقوم به الأنظمة الذكية الحديثة بخصوص التحول الحديث يشير الفاطمي إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ مساره التقني مع آلان تورينغ سنة 1950 حين انتقل النقاش من التأمل الفلسفي إلى الإطار العلمي قبل أن يتبلور المصطلح رسميا عام 1956 في مؤتمر دارتموث بقيادة جون ماكارثي منذ ذلك الحين تطور المجال بين اتجاهين رئيسين رمزي يعتمد على القواعد المنطقية واتصالي يستلهم الشبكات العصبية مخاطر سباق القوة بعد تطرق الباحث إلى تاريخ الذكاء الاصطناعي الحديث باعتباره مسارا غير خطي يتأرجح بين الازدهار والركود يخوض معه رحلة استقصاء معمقة بدءا من المبادئ الأساسية إلى نماذج اللغة العملاقة قبل الانتقال المفاجئ الذي عرفه من كونه أداة تقنية إلى رافعة لإعادة تشكيل موازين القوة العالمية إذ تتصدر قوى كبرى هذا السياق بينما تسعى أطراف أخرى إلى فرض نماذج تنظيمية تضبط مساره وفي موازاة ذلك تتنافس الشركات العملاقة على الموارد الاستراتيجية مما يعمق تركز النفوذ في أيدي فاعلين محددين يضيء إسهامات علماء أرسوا قواعد الجبر والخوارزميات nbsp أما على مستوى سوق العمل فيقود الذكاء الاصطناعي تحولات بنيوية عميقة حيث يسوق الكاتب تصور عالم الكمبيوتر كاي فو لي الذي يميز بين وظائف قابلة للأتمتة وأخرى أكثر مقاومة لها خاصة تلك التي تقوم على التفاعل الإنساني والإبداع غير أن المفارقة كما يشير الباحث تكمن في قدرة الذكاء الاصطناعي على رفع الإنتاجية في مهام محددة مقابل صعوبة ترجمة ذلك إلى عوائد اقتصادية واسعة بسبب الحاجة الدائمة إلى التحقق من مخرجاته كذلك يستعرض الفاطمي المخاطر الأخلاقية والتقنية فالأنظمة الذكية لا تعكس تحيزات البشر فحسب بل تضخمها كما تفتح الباب أمام انتهاكات الخصوصية وانتشار التزييف العميق ليبرز خطر هيكلي يتمثل في هيمنة الشركات الكبرى على البيانات والمواهب والبنية التحتية الحاسوبية واحتكار المعرفة وتوجيه مسارات البحث كما تظهر مخاطر تقنية مثل تسمم البيانات وانهيار النماذج فضلا عن تراجع القدرات المعرفية البشرية يتطرق إلى طرق السيادة الرقمية العربية وتجاوز الاستهلاك nbsp على مستوى أعمق يناقش الباحث في استحضاره لأطروحات نيك بوستروم احتمالية فقدان السيطرة على أنظمة قد تتجاوز الذكاء البشري وتسعى لتحقيق أهدافها بمعزل عن القيم الإنسانية من هنا تبرز ضرورة بناء حوكمة متعددة المستويات تجمع بين الأخلاق والتقنية والقانون لتجنب الانزلاق نحو كارثة أو نحو أنظمة مراقبة شاملة nbsp السيادة الرقمية على المحك في التحليل النقدي للاستراتيجيات العربية يضع الفاطمي المنطقة العربية أمام مفترق طرق حاسم إما الاستمرار في موقع المستهلك للتكنولوجيا أو التحول إلى فاعل يمتلك أدواته وسيادته الرقمية ويتناول الباحث بالدرس والتحليل ثلاثة نماذج عربية مختلفة الإمارات في رهانها على الاستثمار والبنية التحتية والسعودية التي تتبع الرؤية الاستراتيجية ثم المغرب الذي يركز على تنمية الكفاءات البشرية غير أن هذه النماذج رغم طموحها الواضح تواجه في الواقع تحديات تتعلق بالتعليم والبنية التحتية والحوكمة ومن خلال مقارنتها بتجارب دولية ناجحة مثل إستونيا وكازاخستان وكوريا الجنوبية يخلص الفاطمي إلى أن النجاح لا يقوم على الموارد وحدها بقدر ما يتحقق عبر جودة المؤسسات وتكامل السياسات حيث يظل الذكاء الاصطناعي قوة مزدوجة يتحدد أثرها وفق كيفية توجيهها يقترح الفاطمي الانتقال من التنافس الإقليمي العربي الذي يؤدي إلى هدر الموارد وإضعاف الموقف الجماعي إلى التكامل عبر أقاليم رقمية مشتركة وإنشاء مؤسسات إقليمية موحدة وتنسيق الأطر القانونية والأخلاقية مع توجيه صناديق الثروة السيادية نحو استثمارات استراتيجية طويلة الأمد

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح