السياسة عبر الفن أيام سودانية ضد نسيان الكارثة

98 مشاهدة
لا يحاول مفهوم السياسة عبر الفن تزيينها بلمسة جمالية إنما يعيد النظر في جوهر الاثنين معا فالسياسة كما خبرناها في واقعنا العربي والأفريقي كثيرا ما تتجسد في سلطة القهر والإقصاء بينما الفن في لحظاته الأصيلة يفكك هذه السلطة عبر أدواته الرمزية وحين تذكر المأساة الإنسانية في السودان تلحق غالبا بصفة المنسية وهذا ما دفع جامعة جورجتاون في الدوحة عند افتتاحها مساء أول من أمس الخميس موسم مؤتمرات وحوارات أن تصدر تذكيرا عاجلا شاهد السودان الآن في مواجهة الحلول السياسية المتعثرة قدمت الجامعة نهجا بديلا وهو إنشاء تجمع تاريخي للمبدعين السودانيين للفت الانتباه إلى المأساة من خلال وسائل أخرى تنضوي كلها تحت مؤتمر رؤية السودان السياسة عبر الفن الذي يستمر بشكل رئيسي في فندق فورسيزون لثلاثة أيام تختتم اليوم السبت فحين تخفق السياسة في أداء وظائفها الأساسية ينهض الفن بوصفه فضاء أخلاقيا ومعرفيا يعيد للكارثة حضورها في الوعي وهذا ما أرادت جامعة جورجتاون أن تفتتح به موسمها الأكاديمي لعلها تسهم في تحويل الجرح السوداني من مادة منسية في نشرات الأخبار إلى أفق تأملي يعاد فيه تعريف الثقافة كقوة مواجهة يقترح تصورا جديدا للفاعلية الثقافية في زمن الحرب منذ اللحظة الأولى بدا أن المؤتمر ينحت نظرية ضمنية عن الدبلوماسية الثقافية فحين اعتلت المنصة الأكاديمية السودانية وأستاذة الأنثروبولوجيا بجامعة جورجتاون رقية أبو شرف استدعت في كلمتها ذاكرة وطن يعيش منذ عقود على حافة الإبادة الرمزية والمادية بمسيرتها الطويلة في دراسة المجتمع السوداني وقراءتها النقدية لعلاقة السياسة بالهوية جعلت من خطابها إدانة فكرية للعنف الذي لا يكتفي بإزهاق الأرواح بل يجرد الناس من إمكاناتهم الطبيعية للعيش وفي الجلسة الرئيسية التي أدارها عميد الجامعة صفوان المصري تحدثت أربعة من الأسماء السودانية البارزة في مجالات إبداعية مختلفة الإعلامية البريطانية سودانية الأصل زينب بدوي 1959 التي عرفت لعقود عبر شاشة بي بي سي وكرست مسيرتها للتاريخ والسياسة والفكر والتي تشغل أيضا رئاسة مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن أرخت للأزمة ولم تكتف بذلك إنما استحضرت صورة السودان الحضارية الضاربة في الجذور والتي كانت ذات يوم قوة إقليمية بدا صوت بدوي تذكيرا بأن السودان لا يختزل في صور الحرب والمجاعات بل في تاريخ علمي وثقافي يضيء المنطقة منذ قرون وفي السياق نفسه جاءت شهادة نسرين مالك 1975 الكاتبة والصحافية التي عرفت بمقالاتها النقدية في الغارديان وغيرها في الصحافة البريطانية مالك اعتادت تفكيك الخطابات السائدة عن الهوية والمرأة والسياسة وهي هنا أعادت في المؤتمر صياغة هذا النقد في مواجهة التمثيلات المبتسرة للسودان حديثها حمل وعيا بأن معركة الخطاب لا تقل خطورة عن معركة النجاة الجسدية وأن السيطرة على السرديات جزء من الصراع السياسي ذاته فضاء أخلاقي ومعرفي يعيد للكارثة حضورها في الوعي أما الفنان التشكيلي والناقد السوداني راشد دياب فقد تحدث بنبرة حزينة عن الخراب الذي طاول الحياة الثقافية السودانية بفعل الحرب دياب الذي أسس مركز راشد دياب للفنون في الخرطوم عام 2005 مثل لسنوات طويلة رئة للحوار الإبداعي والتدريب الفني والتبادل الثقافي المركز الذي كان يعج بالمعارض والورش واللقاءات تحول اليوم إلى رمز لفقدان المشهد الفني السوداني لبيئته الطبيعية مداخلته كانت بيانا عن معنى أن يحاصر الفن في وطنه ويضطر إلى الاستمرار في المنافي مع التذكير بأن الفنان وهو يحمل الجنسية الإسبانية عاد خلال الحرب إلى إسبانيا تاركا إرثا تعرض للنهب والتخريب آخر المتحدثين الفنان ورسام الكاريكاتير خالد البيه 1980 الذي ارتبط اسمه بريشة جريئة نشرت في كبرى الصحف والمجلات العالمية البيه الموجود اليوم في جامعة جورجتاون بقطر فنانا مقيما قدم تجربة بصرية تحول اليومي والسياسي إلى مشاهد ساخرة تكشف التناقضات وتعيد الاعتبار لصوت الناس البسطاء بالنسبة له الكاريكاتير ليس تعليقا عابرا بل وسيلة تقاوم وتذكر بأن الضحك ذاته قد يكون سلاحا ضد التسلط اختتم اليوم الأول بحفل غنائي للثنائي المكون من المغنية السودانية السارة التي تسهم في نقل الأغنية التراثية السودانية إلى مسارح العالم والموسيقية الفلسطينية هدى عصفور التي جعلت من العود وسيلة للتواصل مع الذاكرة والجرح الجماعي وأعادت الأغنيات ذات الإيقاعات المألوفة في ميادين الثورة بوصفها أداة للتضامن العابر للحدود في لحظة التقاء صوت سوداني بآخر فلسطيني فبدا أن الفن يخط خريطة جديدة للتحالف العربي قوامها الصوت والذاكرة والقدرة على تحويل الألم إلى جمال عاش جمهور اليوم الأول لحظات عارمة أنتجت فعلا تأويليا أعاد كتابة المعنى وإنشاده وعزفه من تحت ركام الخطاب الرسمي ثمة اللوحة والأغنية والكاريكاتير والنص الأدبي والصحافي التحليلي والاقتحامي الاستقصائي كلها تتحول إلى نصوص مضادة تفضح ما يراد إخفاؤه وتعيد للذاكرة الشعبية قوتها في مواجهة النسيان الممأسس من هنا فإن ما جرى في مؤتمر رؤية السودان يتجاوز حدود ندوة أكاديمية أو لقاء ثقافي ليقترح تصورا جديدا للفاعلية حيث تظهر السياسة في فضاءات الفن إمكانية أخيرة لتخيل عالم أكثر عدلا حين تنغلق الأبواب والآفاق أمام 14 مليونا ينزحون في بلادهم و17 مليونا من الطلبة خارج المدارس وخمسين مليون إنسان في خريطة السودان كلها لا يريدون أن يكونوا أرقاما

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح