السودان بين فالج القوة والعنف
كما أنّ السودان الراهن خرج من رحم الماضي، فإنّ سودان الغد هو نتاجٌ يتخلّق من مخاض الحاضر. فمعسكر الحرب على الماضي، مثل معسكر الحرب على الراهن؛ كلاهما سليل تجربةٍ تنكّر لها حدّ التآمر عليها. كلاهما شريك في حرب حمقاء مدمّرة، مهدرةٍ الكرامة، مذيقة العائلات البؤس والذلّة والندامة. ما من عمل ينبت في فراغ، إذ كلّ حدث يتشكّل في بيئة جيوسياسية ومنها ينسلّ.
التاريخ يتحدّث بكلّ اللغات، قائلاً إنّ عنف السلاح وحده لا يحقّق النصر، وأنّ الحرب وحدها لا تصنع السلام. بل القوّة المعزَّزة بالإرادة تكتب الانتصار، وبالوعي تخترق الشعوب الزمن المبدّد. لو أنّ السلاح يربح الحرب، لما ظلّت إسرائيل وحِلة بين أنقاض غزّة أعواماً على الرغم من وفرة آليات القتال الشرس. لو أنّ الحرب تحقّق السلام، لما ظلّ ترامب يترقّب قرابة عامٍ موافقةً إيرانيةً تنجيه من كوابيس الهزيمة. السودانيون، مثّل الغزّيين والإيرانيين، يدفعون فاتورةً باهظةَ الكلفة. تلك حصيلة جهل القيادات بحقائق التاريخ، وطيش الفرز بين العنف والقوّة، والسقوط في أحابيل الطموحات الضيّقة والحسابات الخاطئة. إنّها حرب الوهم.
صار النزوح ضريبةً واجبةَ السداد حينما أمسى الخيار الوحيد بين الموت والقهر
***
هذه الحرب القذرة لم يُقدح شررها بغتةً (كما يروّج بعضهم) صراعاً على السلطة والثروة، بل هناك عناصر متباينة ظلّت تجمع حطبها طويلاً في العقل السوداني الجمعي، كالمباهاة الجوفاء. نحن أحفاد الكوشيين بناة الأهرامات وصاهري الحديد. نحن أبناء الفضاء العريض المفتوح على الجهات الأربع. نحن أبناء الحزام السوداني الممتدّ من المحيط إلى البحر. نحن قوس قزح، ومطر البشر الطالع من السهول والغاب، والنازل من الهضبة، والعابر للبحر. نحن الحضن المفتوح للرحلات المتتابعة عطشاً لمياه النيل. نحن هجين المغاربة، الأمازيغ، الشناقطة، الهوسا، الزنج، والعرب العاربة، والأمهر.
نحن الصدر الرحب، مُضيف العابرين من وإلى الديار المقدَّسة، وغير الراغبين في الرجوع من حيث أتوا. نحن المتباهون بالهُويّة غير المؤطّرة داخل سياق التاريخ والجغرافيا. نحن أبناء الوطن المفتوح لكلّ الجائلين خارج الحدود المبهمة. هذا الالتباس في الهُويّة أورثنا فرطاً في خثار الدم. فنحن بلدٌ، ثورةٌ،
ارسال الخبر الى: