عندما تكون السعادة فخا
الذين اعتادوا الحزن لا ينظرون إلى السعادة كما يراها الآخرون، فهي لديهم ليست لحظةً نقيةً وخالصةً، بل تبدو وميضاً خادعاً في ليلٍ طويل، أو يداً تمتدّ فجأةً وسط الغرق لتُثير الشكوك قبل أن تُثير الأمل. هؤلاء لا يحتفلون بالسعادة حين تأتي، بل يتوجّسون منها، يراقبونها بحذر كمن يخشى أن يكون في حلاوة العسل سماً مخفيّاً.
لكن لنعترف بأن الحزن ليس شعوراً عابراً، بل تجربة تُعيد تشكيل صاحبها، تحفر في أعماقه قناعات لا تتغيّر بسهولة. وحين يطول المقام بالحزن في قلب الإنسان، يتّخذ من عقله بيتاً، ومن روحه حكايةً. يُصبح الحزن جزءاً من الذاكرة، يُعيد نفسه في كلّ لحظة، حتى إنّه يُطلّ على لحظات الفرح، كأنّه يُذكِّر صاحبه ألّا ينسى، ألّا يطمئن تماماً، ألا يسلّم قلبه لفرحة قد تُختطف في أيّ لحظة.
هناك من تعلَّم أنّ الفرح مؤقّت، كضيفٍ عابر لا يبقى طويلاً، بينما الحزن مستقرٌّ، مقيمٌ، لا يرحل بسهولة. وهذه القناعة لم تأتِ من فراغ، بل من تجارب متكرّرة، من لحظات انتشى فيها هذا الشخص بالسعادة، فقط ليجدها تنقلب سريعاً خيبةً، كمن احتضن حلماً جميلاً، فاستيقظ على كابوس. مَن ذاق طعم الخسارات المتتالية، مَن خُذلَ في أكثر لحظاته احتياجاً، مَن وجد أنّ يديه كلَّما امتدّتا للإمساك بالسعادة، أفلتتها الحياة منه في اللحظة الأخيرة، يعرف هذا الشعور جيّداً.
قيل إن الكاتبة اللبنانية مي زيادة كانت تضحك في بعض الأوقات، لكنّ عينيها لم تعرفا السعادة الحقيقية أبداً بعد خساراتها المتتالية. فكيف لمن ذاق مرارة الوحدة والخيانة أن يُصدّق في لحظةٍ عابرة أنّ السعادة قد تأتيه من دون مقابل؟... لقد كانت السعادة عندها أقرب إلى خدعة منها إلى حقيقة، وكان الحزن هو الأصل الذي تألفه.
الأمر لا يقتصر على الأفراد فقط، بل أيضاً على الشعوب التي اختبرت الحزن طويلاً. الشعوب التي عانت الحروب والمآسي لا تحتفل بلحظات النصر كما تفعل الشعوب التي لم تتذوّق ويلات الألم. فحتى حين يأتي السلام، تبقى النفوس مثقلةً بالمخاوف، تتوقع أنّ لحظة الطمأنينة لن تدوم، وأنّ الألم متربّصٌ
ارسال الخبر الى: