الرماد الأخير حين تفقد المعارك معناها وتبقى حرائقها

38 مشاهدة

صدى الساحل - بقلم - مطيع الاصهب

ثمة شيء أقسى من صوت الرصاص... أن تسمعه طويلاً حتى تعتاد عليه.
أن يستيقظ الطفل على أخبار المعارك كما يستيقظ على صوت المؤذن، وأن يصبح انتظار الراتب خبراً، ووصول الكهرباء خبراً، وفتح الطريق خبراً، وعودة الأب من الجبهة خبراً يستحق الاحتفال.
هكذا تطول الحروب.
لا تكتفي بأن تأخذ من الناس أبناءهم وبيوتهم وأموالهم، بل تأخذ منهم شيئاً آخر لا يُرى بسهولة: قدرتهم على الحلم.
وفي اليمن، طال الانتظار أكثر مما ينبغي.
انتظر الناس نهاية الحرب، فقيل لهم اصبروا. انتظروا النصر، فقيل لهم إنه قريب. انتظروا السلام، فقيل لهم إن المفاوضات ستأتي بالفرج. ثم مر عام، وتلاه عام، وبقي المواطن في المكان نفسه، يحمل أعباء يومه وينظر إلى الغد كأنه موعد مؤجل لا يصل أبداً.
المشكلة أن الإنسان يستطيع أن يتحمل الفقر، وقد يتحمل الخوف، وقد يقف أمام أصعب الظروف إذا كان يرى في نهاية الطريق ضوءاً.
لكن أصعب ما يمكن أن يحدث له أن يفقد ثقته بأن هناك نهاية.
عندها يصبح كل شيء ثقيلاً.
الحديث عن المعركة يصبح مكرراً، والوعود تفقد بريقها، والخطب التي كانت تشعل الحماس تتحول إلى كلمات ساخرة، لأن الناس لم تعد تبحث عن من يقول لها ماذا سيحدث، بل عن من يملك الشجاعة ليقول لها الحقيقة.
كم من بيت عاش سنوات وهو ينتظر عودة رجل خرج ولم يعد؟
كم من أم كبرت وهي تضع صورة ابنها أمامها، وتقول في سرها: لعل الغد يحمل خبراً؟
كم من أب أخفى خوفه عن أبنائه حتى لا يسقط ما تبقى من الأمل في أعينهم؟
وكم من شاب أضاع أجمل سنوات عمره وهو لا يعرف هل يبني مستقبله أم ينتظر نهاية حرب لا يعرف متى تنتهي؟
هذه هي الكلفة التي لا تظهر في بيانات المعارك.
فالدمار ليس فقط في الجدران التي تسقط، وإنما في الأعمار التي تمر دون أن تعيش، وفي الأحلام التي تتأجل حتى تموت، وفي جيل كامل يتعلم كيف ينتظر أكثر مما

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع صدى الساحل لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح