أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطة واسعة النطاق لتسريع تطوير الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة لكن خطوته أثارت انقساما عميقا داخل صفوف الجمهوريين وحركة أميركا أولا بين داعمين للتكنولوجيا باعتبارها أداة لتعزيز النفوذ الأميركي ومعارضين يرون فيها تهديدا اجتماعيا وأخلاقيا واقتصاديا وأعلن ترامب أواخر يوليو تموز خطة من 28 صفحة تتضمن تسريع تطوير الذكاء الاصطناعي وبناء بنية تحتية جديدة للطاقة لتغذية مراكز البيانات الضخمة البيت الأبيض دافع عن الخطوة عبر المتحدثة ليز هوستون التي أكدت أن الهدف هو الحفاظ على التفوق الأميركي على الصين وإطلاق إنتاجية تصب في مصلحة العمال وخفض أسعار السلع والخدمات لكن هذه الرؤية لم تلق إجماعا داخل المعسكر الجمهوري فالنائبة مارجوري تايلور غرين سارعت إلى التحذير من أن الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى فقدان ملايين الوظائف وأن مراكز البيانات قد تخلف آثارا كارثية على البيئة وإمدادات المياه فيما وصف ستيف بانون أحد أبرز وجوه التيار الشعبوي السعي نحو تطوير ذكاء اصطناعي فائق بأنه استدعاء للشيطان على منصة مؤتمر المحافظة الوطنية في واشنطن مطلع سبتمبر أيلول ذهب السيناتور جوش هاولي أبعد من ذلك إذ اعتبر أن الثورة التكنولوجية تمثل قفزة نحو ما بعد الإنسانية وتتناقض مع القيم الدينية ومع مصالح الطبقة العاملة وتفتح الباب أمام سيطرة نخبة غنية وقوية وحظي تصريحه الأميركية والثورة ما بعد الإنسانية لا يمكن أن يتعايشا بتصفيق واسع هذا التوتر يكشف تناقضا أعمق في القاعدة الجمهورية الكثير من الناخبين المحافظين يشككون في شركات التكنولوجيا الكبرى لكن ترامب نفسه يعول على علاقاته مع رؤساء هذه الشركات لتسريع الخطط ومثلما أشار مارك بيل أحد الناشطين في شبكة سياسات الذكاء الاصطناعي فإن مخاوف القاعدة الشعبية لترامب من شركات التكنولوجيا تصطدم بنفوذ وادي السيليكون في الإدارة الخلاف لم يتوقف عند الخطاب بل امتد إلى مشاريع القوانين خلال الصيف نجح جمهوريون شعبويون في إسقاط مقترح لتجميد قدرة الولايات على وضع قوانين محلية للذكاء الاصطناعي لعشر سنوات فقد اعتبر عدد من أعضاء مجلس الشيوخ والمدعين العامين الجمهوريين أن مثل هذا الحظر يقيد ولاياتهم أمام تغول شركات التكنولوجيا الكبرى كذلك برزت مسألة حقوق النشر واحدة من أعقد نقاط التوتر فقد أبدى ترامب ميلا إلى تخفيف القيود القانونية لصالح شركات التكنولوجيا التي تدرب نماذجها على مواد محمية وتخضع لقوانين حقوق النشر لكن بانون عارض بشدة واصفا الأمر بـالسرقة فيما اعتبر هاولي أن تجاهل الكونغرس القضية قد يؤدي إلى أكبر سرقة للملكية الفكرية في التاريخ الأميركي وطرح الأخير مشروع قانون يمنع تدريب النماذج على أي مادة محمية من دون موافقة أصحابها مع الدعوة إلى نظام ترخيص بدلا من الفوضى الحالية قد يشهد الكونغرس هذا الخريف مناقشات ساخنة مع طرح مشاريع متباينة من بينها مبادرة للسيناتور تيد كروز لإنشاء بيئة اختبار تعفي شركات الذكاء الاصطناعي من بعض القيود التنظيمية ومشروع آخر للسيناتور تشاك غراسلي لحماية المبلغين عن المخالفات المرتبطة بهذه التكنولوجيا في المقابل لا يزال من غير الواضح إن كان مشروع هاولي سيجد طريقه إلى التصويت فبحسب استراتيجي جمهوري سابق كثيرا ما تنهار الحجج الشعبوية أمام الثقل المالي والسياسي لوادي السيليكون بحسب تقرير موسع نشرته صحيفة بوليتيكو الأميركية وسائل الإعلام اليمينية الشعبوية عززت هذه المخاوف ففي تصريحات لمدير الإعلام الرقمي في موقع بريتبارت وينتون هال اعتبر أن قاعدة ماغا Make America Great Again باتت قلقة من تأثير الذكاء الاصطناعي على سلامة الأطفال والصحة النفسية إضافة إلى فقدان الوظائف وقال قضية ما بعد الإنسانية مصدر قلق حقيقي للمحافظين مشيرا إلى أن التداعيات السياسية ستظهر لاحقا بمجرد أن يتضح حجم فقدان الوظائف هذه المخاوف انعكست أيضا داخل الكونغرس ففي جلسة استماع بلجنة الرقابة في مجلس النواب رفض ثلاثة نواب جمهوريين فكرة أن يحل الذكاء الاصطناعي محل البشر مذكرين بأن الذكاء الاصطناعي يفتقر إلى الروح والتعاطف ولسنا نحن آلهة في يوليو تموز نشر مارك بيل مقالا بعنوان مقاربة محافظة تجاه الذكاء الاصطناعي العام دعا فيه إلى التوقف عن السباق المتهور لبناء آلهة تصنع نفسها في إشارة إلى الأنظمة فائقة الذكاء لكن ترامب تجاهل هذه المخاوف مفضلا استراتيجية التسريع وبينما يرى بعض المحافظين أن قضية الذكاء الاصطناعي قد لا تكتسب زخما مشابها لمعركة حرية التعبير على مواقع التواصل يعتقد آخرون أن الصدام السياسي قادم لا محالة خصوصا إذا ترافق مع فقدان واسع للوظائف