في هوامش الخطاب الإعلامي المشهد الراهن أفرز صدمتين متعاكستين

ما تزال النشوة والهيصة الإعلامية في ذروتهما، وكأن الشقيقة دمّرت خط بارليف أو عبرت إلى الضفة الأخرى من القناة، لا مجرد عملية جوية في صحراء مفتوحة، لا تمنح الأقوى، بالضرورة، شرف النصر، فالعملية تم توظيفها كل حسب هواه، حتى إن أحد الإعلاميين الخليجيين ذهب إلى القول بأن المملكة «أسست الوحدة اليمنية الثانية»، على اعتبار أن الأولى ضاعت في الزحمة.
برّرت السعودية حملاتها الجوية بأنها تدافع عن أمنها، وهذا يعني أن مدفعية جنوبية في صحراء حضرموت تشكّل خطراً يفوق خطر صاروخ باليستي حوثي يهدد منشآتها الحيوية. ولإقناع الداخل، تم تدوير مزاعم تمدد النفوذ الإسرائيلي في خطاب لا يختلف كثيراً عن أساليب التخويف الشعبوي، بل يُعدّ واحدة من أكثر النكات السوداء تداولاً في تاريخ الخطاب السياسي السعودي الحديث، خاصة وأن كثير من المسؤولين و الإعلاميين السعوديين والخليجيين وفقهاء الإفتاء، حتى وقت قريب، ظلوا يؤكدون بأن سياسات ايران تمثل التهديد الأكبر.
والحقيقة ان الخوف من توسع إسرائيل ظل وما يزال كليشيه ثابتة في الخطاب العربي منذ عقود، يستدعى بوصفه أداة تبرير أكثر منه إطاراً للفعل، وفي المقابل لا يترسخ في المنطقة سوى عجز العرب التاريخي في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني.
للتذكير فقط: منذ انطلاق الحراك الجنوبي، لم تتوقف محاولات شيطنته؛ مرة بوصفه قاعدياً، ومرة إيرانياً، واليوم يُربط بمشاريع شرق أوسط جديد أو غير ذلك. العناوين تتبدّل، لكن الهدف واحد: طمس جوهر القضية، وتحويلها إلى فزاعة أمنية جاهزة.
رئيس الاستخبارات السعودية سابقاً لم يتأخر في التلميح إلى ذلك الخطر الإسرائيلي، وهو الذي أكد في مقابلة قديمة أن حرب 94 انطلقت رداً على إعلان الانفصال. وباعتباره واحد من الصقور الذي يتمتع بقدر من الجرأة فإن لديه مقاربات متعددة كان آخرها عن ظاهرة ترامب بأنها تمثل نهاية الليبرالية الغربية، في محاولة استحضار ما بعد نهاية التاريخ كما تخيّلها فرانسيس فوكوياما.
تلك لغة تتناقض مع سلوك ومواقف المملكة سواء تجاه حرب 94 أو حتى موقفها من المدرسة الترامبية التي امتدحها أهم إعلاميي المملكة المقرب من النظام.
ارسال الخبر الى: