الحصة الملعونة
تنتهي البطولات الرياضيّة كما تنتهي الولائم الكبرى، لا بامتلاء المعدة بل بذلك الفراغ الذي يعقب الشبع، وهو الفراغ نفسه الذي حاول جورج باتاي (1897- 1962) أن يبني عليه اقتصاداً كاملاً في كتابه الحصّة الملعونة (1949)، حين افترض أن كل كائن حيّ، بل كل مجتمع، ينتج فائضاً من الطاقة يفوق حاجته إلى البقاء، وأن هذا الفائض لا يمكن ادّخاره، بل لا بد له من منفذ: الحرب، أو الطقس الديني، أو الفن... إلخ. ولا نظنّه كان يغفل عن كرة القدم وهي تتضخّم إلى مونديال من 48 منتخباً، موزّعة على ثلاث دول لم تتفق يوماً على شيء غير الحدود التي تتقاسمها بريبة، فاجتمعت الولايات المتحدة والمكسيك وكندا على استضافة مأدبة عالميّة للسخاء الرياضيّ، بينما لا يزال سياج حديدي يفصل بين اثنتين منها.
ليس المونديال، في جوهره غير المعلن، احتفاء بالمهارة بقدر ما هو مسرحٌ ضخمٌ لحرق الفائض: فائض المال الذي بُنيت به ملاعب ستموت غداة الحفل الختامي موتاً بطيئاً تحت الغبار. فائض الانتباه الجمعيّ الذي لم يجد له مصرفاً آخر في عالم أنهكته الشاشات. فائض الجسد الرياضي نفسه الذي يُقدَّم كل أربع سنوات قرباناً على مذبح الكاميرات، تماماً كما وصف بارت المصارعة الحرّة بوصفها مسرحية أخلاقية لا رياضة... لم يكن غي ديبور مخطئاً حين قال إن المشهد ليس مجموعة من الصور، بل علاقة اجتماعية تتوسّطها الصور، لأن ما بثته الفضائيات 30 يوماً لم يكن كرة تتقاذفها أقدام، بل علاقة الجمهور بفائضه هو، معروضة أمامه على شاشات عملاقة، كي يظن أنه يتفرّج على الآخرين بينما هو يتفرّج على حرقه ذاته. يصدر هذا الكلام عن كاتبٍ يحبّ كرة القدم طبعاً، ولا يفوّت فرصة ليتابع مبارياتها الجميلة، ويرى أنّها ترقى، في أحيان كثيرة، إلى مرتبة الفنّ، إلّا أنّه لا يريد لحبّه أن يكون أعمى.
الطريف أن الحَكَم التقني المساعد (الفار)، الذي جاء بدعوى إنقاذنا من حبّ الكرة الأعمى، لم يفعل في النهاية سوى الكشف عن عجز العقل الحسابي عن ابتلاع الحصّة الملعونة، لأن ما يطلبه الحشد
ارسال الخبر الى: