الحرب على غزة الرموز وغنيمة الحرب الكبرى

147 مشاهدة
لا يشكل مبحث الاقتصاد الرمزي للحرب نظرية وإنما أفقا نظريا ملهما اعتمادا على تجارب الحروب التي عاشتها المجتمعات ومناويل التخلص من آثارها على نحو استثمرت فيه ما بعد الحرب من أجل إعادة بناء المجتمع وهندسة علاقاته بذاته وبغيره تعلمنا هذه التجارب أن شعوبا خرجت من حروب خاسرة محطمة منهارة غير أنها سرعان ما أعادت بناء نهضتها حتى تربعت مجددا في صدارة التاريخ وحازت جدارة ومرتبة راقية حولت هزيمتها مجدا حين ننظر إلى ألمانيا واليابان وكوريا وغيرها ندرك أن الحرب لم تكن كارثة وكابوسا فحسب بل أيضا فرصة نادرة لإعادة ترميم الأمة وتدبر مسالك النهوض يقول العرب رب ضارة نافعة ولكن نادرا ما جعلنا من الضرر منفعة لا تكون الهزيمة في ميادين القتال فقط بل حين تعجز الشعوب عن تحويل خسارتها إلى طاقة رمزية جامعة خاضت شعوب عربية حروبا مريرة وقاسية في العصر الحديث الجزائر مصر العراق سواء كانت حروب تحرر وطني أو حروب جوار وأطماع ولكن المخاطر تتالت بعدها وتعمقت الهزائم وظلت تلك البلدان تجر أذيال الكبوة تلو الأخرى انتهت الحروب ولكن كوابيسها ومخلفاتها ظلتا تطحنان المجتمع الاقتصاد الرمزي للحرب في حالة التجارب الناجحة حين استطاعت الأمم أن تكسب زمن ما بعد الحرب رغم أن الخسائر الفادحة للحرب نفسها تكمن في القدرة على إدارة الأزمتين النفسية والذهنية الحادتين التي تمر بهما المجتمعات وقد تصلان إلى فصام الهوية وفقدان الثقة في الأمة علاوة على إدارة علاقات مرضية مع الآخرين قد يتحول الآخر عدوا أبديا ثمة جفاء عميق يظل ساريا في وجدان الناس الخارجين من الحرب ولكن ثمة علاج وجداني عميق في استطاعته أن يجعل عدو الأمس آخر فحسب إطفاء نار الخوف والرهاب مهم وهو معركة رابحة لا محالة لأنها تتيح حقلا واسعا من الرموز التي تهدئ من روع الشعوب وتمنح الطمأنينة للناس في السياقات العربية ولأسباب عديدة منها نشوء الدولة العربية وطبيعة الأنظمة التي قادتها علاوة على شخصيات قادتها وزعمائها ضمن خصائص الاجتماع السياسي لنخبه لم نفلح تقريبا في تحويل خسائرنا العسكرية التي منيت بها جيوشنا غنائم رمزية فتتت مشاعر العزة الوطنية في العراق وتحول زمن ما بعد الحرب إلى ما يشبه الفتنة الطائفية الدائمة التي تفترس فيها مشاعر الانتماء إلى وطن واحد واستئثار النخب العسكرية في كل من الجزائر ومصر بمصير البلد قد دفعها إلى أن تحتكر الوطنية فضلا عن هوس ملكية الدولة في صورة إقطاعيات أوليغارشية انتهت جبهة التحرير الوطنية طائفة سياسية منبوذة ولا يختلف الأمر في مصر التي لا يزال الجيش فيه محتكرا كل شيء بما فيه الدولة والوطن لا يمكن إغفال أن الحرب الصهيونية أخيرا على قطاع غزة وبقطع النظر عن تقييمنا العسكري نتائجها رغم أنها توحي للوهلة الأولى بأن الكفة فيها مالت إلى الكيان الإسرائيلي يمكن أن تكون نتائجها من وجهة نظر الاقتصاد الرمزي للحرب لمصلحة المقاومة وللفلسطينيين عموما ذلك أن هناك أرباحا رمزية لا تقارن بما تكبدته إسرائيل خلال السنتين وبشكل تدريجي من خسائر رمزية فادحة كانت القدرة على توليد المعنى قطاعا اقتصاديا فائض المنفعة في ما يخص غزة وأهلها الأباة قدمت غزة للعالم درسا في الاقتصاد الرمزي للمقاومة فربحت المعنى وإن خسرت معارك من بين غنائم الحرب تلك السردية التي قدمها الفلسطينيون وتلك الرواية الإنسانية الرائعة التي أظهرت ملحمة أسطورية عن شعب رفض الاقتلاع وظل لصيقا بأرضه حتى إن ردم تحتها لم يغادر هذه المرة طائر الفينيق عشه وآثر أن يظل منتصبا في أرضه ومن رماده تكونت بيضة الحياة وعاد إلى العالم من جديد آثر أن يحترق على أن يطير فرارا صورة غزة هذا المربع الصغير الذي سوي بالأرض ظل بشره صامدين واقفين يكاد يكون الصمود الفلسطيني ورفض التهجير أسطورة علينا أن نرتقي بها إلى مرتبة المعجزات قد نجد لهذه الأسطورة ما يضاهيها في ثقافة جل الحضارات القديمة ولكن الغزيين وحدهم يقدمون نموذجا حيا لأسطورة معاصرة توليد المعنى والارتقاء إلى مراتب الأساطير الخالدة جعلت غزة أيقونة انشدت إليها أفئدة الناس وعواطفهم العاطفة الجياشة التي حبت بها شعوب العالم غزة والتقدير الذي حظيت به غزة يمكن أن يراكم عليهما الفلسطينيون والغزيون خصوصا تجاربهم اللاحقة في مزيد من الالتفاف حولهم من أجل الاعتراف بدولتهم والذهاب بعيدا تسرب تصريح لترامب يفيد بأنه ذهب مجبرا إلى وقف الحرب خشية على نتنياهو الذي لن يستطيع محاربة العالم بأسره ربما خسرت غزة معركتها مع العدو ولكنها ربحت معركة أخرى هي الرأي العالم العالمي الذي ارتقى بغزة إلى مرتبة الأيقونة ومع ذلك ثمة ما يفسد علينا فألنا حالة الانقسام ومعاركنا الصغيرة التي تحجب عنا القمم ينبهنا المتنبي بحكمته المدهشة وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح