الحدود البولندية البيلاروسية غابات تبتلع عشرات اللاجئين
70 مشاهدة
في الغابات الكثيفة على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا لا تبدو الأزمة مجرد مسألة هجرة بل تعكس مشهدا إنسانيا قاسيا يتكرر إذ يتحول اللاجئون إلى كرة تتقاذفها الدولتان فتدفعهم بيلاروسيا نحو الأسلاك الشائكة وتعيدهم بولندا قسرا في دوامة بلا نهاية واضحة يصف مهاجرون فلسطينيون ويمنيون وعراقيون عالقون في تلك المنطقة ما يجري بأنه يشبه لعبة بينغ بونغ بلا قواعد ولا رحمة يقول الفلسطيني محمد المنسي يجبر رجال ونساء وأطفال على عبور الغابات تحت التهديد من دون أي فرصة حقيقية لطلب اللجوء تتلاشى القوانين ويصبح البقاء على قيد الحياة هو الهدف الوحيد يعيش الآلاف في هذا الفراغ القاتل بعدما تبخرت آمالهم بالوصول إلى أوروبا وسط تشدد الطرفين ومنع شبه كامل لوصول الإعلام أو المنظمات الإنسانية وخلال سنوات قليلة تغيرت طبيعة الحدود جذريا وتحولت إلى سياج فولاذي بطول 186 كيلومترا وارتفاع يتجاوز خمسة أمتار مغطى بالأسلاك الشائكة ومدعوم بكاميرات حرارية وتراقبه طائرات مسيرة ما حول الغابة إلى خط مواجهة دائم تصف السلطات البولندية ما يحدث بأنه حرب هجينة من قبل روسيا وبيلاروسيا تستخدم فيها الهجرة أداة ضغط سياسي لكن على الأرض يدفع المهاجرون الثمن وتوثق تقارير منظمات مثل هيومن رايتس ووتش وأوكسفام نمطا متكررا من الانتهاكات يشمل الضرب المبرح وإطلاق الرصاص المطاطي وإطلاق كلاب الحراسة فضلا عن الاحتجاز من دون طعام أو ماء كما تسجل حالات ترك أشخاص في العراء في جزء من سياسة الإعادة القسرية التي تحرم طالبي اللجوء من حقهم القانوني في تقديم طلبات الحماية وظهرت أخيرا تقارير حول مجموعات تقوم بدوريات ويبلغون عن وجود المهاجرين بعضهم يتبنى خطابا معاديا للهجرة والبعض الآخر يعتبر نفسه مدافعا عن الحدود ولا يتوقف الخطر عند الأسلاك الشائكة فغابة بيالوفيزا إحدى أقدم غابات أوروبا تحولت إلى مصيدة للمهاجرين ناتجة من المستنقعات الباردة والتضاريس الوعرة يقول اللاجئ اليمني غسان إنه عالق منذ أشهر بعد رحلة هجرة طويلة للوصول إلى ألمانيا ويوضح نعيش في طقس بارد مع نقص حاد في الغذاء والماء هناك مرضى بلا علاج وكثيرون يموتون من البرد أو الإرهاق أو الغرق nbsp وتشير التقديرات إلى أن نحو 130 لاجئا لقوا حتفهم على الحدود منذ 2021 مع ترجيحات بأن العدد الحقيقي أكبر بسبب المفقودين والجثث غير المكتشفة في الغابات وتناول تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش في 2024 تزايد الوفيات على الحدود نتيجة الكسور والجروح وحالات انخفاض الحرارة كما أن هناك إصابات تنتهي ببتر الأطراف يقول محمد المنسي مات البعض ودفنوا من دون أن تعرف عنهم عائلاتهم شيئا هذه الغابات أصبحت مرادفا للموت وإلى جانب عشرات الوفيات الموثقة تتحدث منظمات حقوقية عن مئات المفقودين في الغابات الحدودية بالتزامن مع غياب الوصول الإنساني وصعوبة التوثيق ما يجعل العدد الحقيقي للضحايا غير محدد وتشير تقارير ميدانية إلى أن عمليات البحث عن المفقودين غالبا ما تقوم بها مجموعات من المتطوعين مع غياب الجهود الرسمية تماما ويؤكد العالقون أن المعاناة لا تنحصر في قسوة الطبيعة بل تشمل العنف الرسمي من سلطات البلدين يقول غسان كأنما اتفقا على إيذاء اللاجئين الضعفاء رغم أنهما على طرفي نقيض في الشأن السياسي في بيلاروسيا يمر اللاجئون عبر منطقة عسكرية تعرف بـسيستيما وهي متاهة من الغابات والتحصينات حيث يقضون أسابيع من دون طعام كاف وسط تقارير عن وقائع تعذيب واعتداءات وإجبارهم مرارا على محاولة عبور السياج الحدودي وتعود جذور الأزمة إلى ما بعد انتخابات بيلاروسيا في عام 2020 والعقوبات الأوروبية على روسيا حين لوحت مينسك بفتح الطريق أمام اللاجئين منذ ذلك الحين تدفقت أعداد كبيرة من المهاجرين من الشرق الأوسط ودول أفريقيا نحو الحدود ورغم أن الأرقام لا تقارن بأزمة عام 2015 حين تدفق أكثر من مليون طالب لجوء على أوروبا فإن تأثيرها السياسي كبير إذ تحولت الهجرة إلى أداة ضغط جيوسياسي تكشف هشاشة الاتحاد الأوروبي وتفاقم الانقسامات داخله وشددت بولندا أخيرا إجراءاتها إلى حد تعليق طلبات اللجوء مؤقتا في خطوة أثارت انتقادات قانونية واسعة واعتبرت منظمات دولية القرار انتهاكا للقانون الأوروبي والدولي لكن بروكسل أبدت تفهما في ظل تصاعد الضغوط السياسية وصعود اليمين المتطرف وتبرز المفارقة بوضوح عند مقارنة هذا التشدد مع استقبال بولندا أكثر من مليون لاجئ أوكراني منذ 2022 ما يطرح تساؤلات عميقة حول معايير الحماية ومن يستحقها تحولت الحدود البولندية البيلاروسية إلى مرآة لأزمة أعمق سببها هو الصراع بين القيم والمصالح وبين القانون والواقع لا يترك اللاجئون فقط خلف الأسلاك بل داخل منظومة تنتج الخطر وتشمل العزلة والجوع والبرد والخوف ولم يعد السؤال ما إذا كان اللاجئون يستخدمون ورقة ضغط بل ما إذا كانت أوروبا نفسها تنزلق نحو قبول هذا النموذج فحين تتحول الاستثناءات إلى سياسة ويبرر العنف بأنه ضرورة يصبح الخطر وجوديا على القيم الأوروبية ذاتها