في الحاجة إلى التفلسف

20 مشاهدة

لماذا يفكّر الإنسان أصلًا؟ ولماذا لا يكتفي بما يُعطى له من تفسيراتٍ جاهزة عن الوجود، والمعنى، والسلطة، والعدالة، والخير؟ وكيف تحوّل التفلسف عبر التاريخ من نشاط خاص بالنخبة إلى ضرورة فكرية تمسّ كلّ تجربة إنسانية تسعى إلى الفهم؟ ولماذا يعود السؤال الفلسفي في كلّ مرحلة تاريخية تتصدّع فيها اليقينات السياسية أو الأخلاقية أو المعرفية؟ وكيف تحوّل التفلسف من نشاط مُرتبط بالمدرسة والأكاديمية إلى ممارسة وجودية تمسّ التجربة اليومية للإنسان؟ ثم ما الذي يجعل الفلسفة حاجة متجدّدة، رغم تغيّر الأزمنة وتقدّم العلوم وتراكم المعارف التقنية؟

تنشأ الحاجة إلى التفلسف من بنية الوعي الإنساني ذاته، حيث إنّ الإنسان كائن يعيش داخل الزمن، ويعي محدوديته، ويختبر التناقض بين رغبته في المعنى وتجربته مع الفقد، والشرّ، واللايقين. هذا التوتّر يولّد سؤالًا دائمًا حول الغاية، والقيمة، والحقّ، والعدل. في هذا الإطار، يرى أرسطو في كتابه الميتافيزيقا أنّ الدهشة تمثّل أصل التفلسف، لأنّ الإنسان حينما يندهش أمام الوجود يدرك جهله، ومن هذا الإدراك تبدأ الحركة العقلية. ووفق هذا التصوّر، فالتفلسف فعل خروج من السكون الذهني إلى مساءلة العالم.

لكن الدهشة لا تكفي وحدها لتفسير استمرار التفلسف عبر العصور، لأنّ الحاجة إلى الفلسفة تتعمّق كلّما تعقّدت أشكال التنظيم الاجتماعي، وظهرت السلطة، والقانون، والتفاوت الطبقي، والعنف الرمزي. وفي هذا الصدد، ربط أفلاطون في كتاب الجمهورية بين الفلسفة وفكرة العدالة، واعتبر أنّ المدينة العادلة تحتاج إلى حكّام يمتلكون معرفة الخير الفلاسفة. وبالتالي، يتحوّل التفلسف إلى ممارسة سياسية وأخلاقية، تهدف إلى توجيه الفعل الجماعي على أساس العقل، لا على أساس القوّة أو القهر. علاوة على ذلك، ففي الفلسفة اليونانية أيضًا، يبرز البعد العملي للتفلسف مع الرواقيين، الذين نظروا إلى الفلسفة بوصفها فنّ العيش. حيث شدّد إبيكتيتوس وماركوس أوريليوس على دور التفكير في تحرير الإنسان من الخوف، والانفعال، والاضطراب. في هذا السياق، يكتسب التفلسف بعدًا علاجيًا، حيث يعمل العقل على تنظيم العلاقة بين الإنسان والعالم، وبين الرغبة والضرورة.

الإنسان حينما يندهش أمام الوجود يدرك جهله، ومن هذا الإدراك تبدأ الحركة العقلية

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح