الجنوب بين تضحيات عقد كامل وسياسات تعيد عقارب الساعة إلى الوراء

نجحت السعودية خلال الفترة الأخيرة في تقويض معظم المكاسب التي حققها الجنوب، ولا سيما في ملف تحييد جماعة الإخوان المسلمين ودحر التنظيمات الإرهابية. تلك المكاسب لم تكن منحة سياسية ولا تسوية عابرة، بل جاءت نتيجة تضحيات جسيمة ودماء سالت على مدى عشر سنوات، قدمها أنبل الرجال دفاعًا عن الأرض والإنسان والهوية. اليوم، تقف هذه المنجزات على حافة الانهيار، ما ينذر بتداعيات خطيرة تمس جوهر القضية الجنوبية، وتماسك المجتمع، وأمنه واستقراره.
منذ حرب 1994، دفع الجنوب فاتورة باهظة نتيجة تمكين جماعة الإخوان المسلمين من مفاصل القرار، بدعم مباشر من النظام السابق، الأمر الذي حوّل محافظات الجنوب إلى ساحات مفتوحة للفوضى والإرهاب، وهي حقيقة موثقة ومعترف بها دوليًا. لقد كانت تلك الجماعة أحد أبرز المستفيدين من هزيمة الجنوب، حيث استخدمت الإرهاب كأداة للسيطرة، وتصفية الخصوم، وإخضاع المجتمع.
وعندما سنحت الفرصة التاريخية للجنوبيين بعد 2015 لاستعادة السيطرة على أرضهم، وتطهيرها من التنظيمات الإرهابية، وكبح تدخلات جماعة الإخوان الداعمة للمليشيات المسلحة، ظن الجميع أن مسار الاستقرار قد بدأ يتشكل. غير أن السعودية، وبدلًا من البناء على هذه الجهود، اختارت نسفها بالكامل، وأعادت المشهد إلى نقطة الصفر، متجاهلة حجم التضحيات، ومستهينة بالكلفة الأمنية والسياسية المترتبة على ذلك.
ما تم بناؤه خلال عقد كامل من قوات أمنية، وأطر سياسية، وحواضن مجتمعية لمواجهة الإرهاب والإخوان، أصبح اليوم مهددًا بشكل مباشر. فقد أقدمت السعودية على قصف القوات الجنوبية التي كانت تقاتل الإرهاب وتتصدى للحوثي، ثم مضت إلى إضعاف ـ بل حل ـ المظلة السياسية التي كانت تحمي هذه القوات وتمثل الجنوب سياسيًا واجتماعيًا. هذه الخطوات لا يمكن تفسيرها إلا بوصفها تقويضًا ممنهجًا لأسس الاستقرار في الجنوب.
ببساطة، فإن إضعاف القوات الجنوبية، وتجريدها من الغطاء السياسي، يعني فتح الأبواب على مصراعيها أمام عودة جماعة الإخوان المسلمين إلى الجنوب. فهذه الجماعة تمتلك إرثًا متجذرًا يمتد لأكثر من ثلاثين عامًا، وتسيطر فعليًا على مفاصل ما يسمى بـ«الشرعية» وعلى بنية الجيش الذي يُسوَّق كجيش وطني، بينما هو في الواقع جيش مؤدلج يخضع
ارسال الخبر الى: