التسلح الألماني تحول استراتيجي يربك أوروبا كتب دعاء هزاع الجابري

لم يعد السؤال اليوم هو ما إذا كانت أوروبا بحاجة إلى قوة عسكرية أكبر ، بل من سيملك حق تعريف هذه القوة وتوجيهها ، فحين تعلن ألمانيا عودتها إلى التسلح فإنها لا تضيف بندا جديدا إلى ميزانيتها الدفاعية ، بل تهز إحدى أكثر المسلمات رسوخا في الوعي الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية وهي : أن السلام يمكن حمايته بالاقتصاد وحده ، وأن القوة العسكرية يمكن تأجيلها أو تفويضها للآخرين ، وهنا لا يبدو التحول الألماني مجرد استجابة لأزمة أمنية طارئة بل لحظة مفصلية تعيد فتح أسئلة التاريخ وتضع أوروبا أمام امتحان الذاكرة والقوة والهوية في آن واحد
فعودة ألمانيا إلى التسلح ليس مجرد قرار دفاعي فرضته تطورات الحرب في أوكرانيا ، بل تحولا استراتيجيا يضع أوروبا بأكملها أمام اختبار غير مسبوق ، فما يجري في برلين لا يقتصر على رفع الإنفاق العسكري أو تحديث الجيوش ، بل يعيد طرح سؤال بالغ الحساسية في الوعي الأوروبي وهو : هل يمكن لألمانيا أن تمارس القوة العسكرية من دون أن تستدعي ظلال تاريخها؟ أم أن الذاكرة الأوروبية المثقلة بتجارب القرن العشرين ستظل تنظر إلى أي انبعاث عسكري ألماني بوصفه حدثا يتجاوز الحسابات التقنية إلى أبعاد رمزية وأخلاقية ؟ ، فالتسلح هنا ليس إجراء إداريا بل فعل سياسي يعيد تعريف علاقة الدولة بذاتها وبمحيطها
لقد كشفت الحرب في أوكرانيا محدودية النموذج الأمني الأوروبي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية والقائم على الاعتماد شبه الكامل على المظلة الأميركية مقابل انكفاء أوروبي طويل عن الاستثمار في الدفاع الذاتي ، فاليوم ومع تراجع اليقينيات القديمة ، تجد أوروبا نفسها مضطرة لإعادة تعريف مفهوم الأمن ، لا باعتباره مسألة خارجية مؤجلة بل قضية سيادية مركزية ،
غير أن هذا التحول لا يمر دون قلق خاصة في فرنسا ، حيث ينظر إلى صعود القوة العسكرية الألمانية بوصفه اختلالا في توازن أوروبي غير مكتوب استقر طويلا على توزيع أدوار واضح حيث : ألمانيا قوة اقتصادية محورية ، وفرنسا لاعب عسكري
ارسال الخبر الى: