البشر مشاريع قيد التحديث
هناك مقالات سيكتشف قارئ حصيف أنها كُتبت بكاملها بواسطة الذكاء الاصطناعي، وهو ما بات اليوم أمراً منتشراً في السوشال ميديا، وفي صحفٍ ومواقعَ رصينةٍ علاقة محرّريها مع هذه الآلة ليست قوية بما يكفي لاكتشاف الفرق بين اللغتَين. فبينما تبدو لغة الذكاء الاصطناعي دقيقةً وتكاد تكون محايدةً تماماً وخالية من ملامح الرأي الشخصي وشديدة التماسك، تبدو لغة الكاتب البشري مفعمة بالمشاعر، ولا يمكنه أن يخفي فيها انحيازه، مهما تصنّع الحياد، ولا يمكنه إخفاء عواطفه، حتى لو كان المقال عن العلم أو الاقتصاد. ولا يمكنه أن يصل إلى كمال الآلة في تماسك الأسلوب مهما كان بارعاً وعتيقاً في الكتابة؛ إذ ثمّة نبرة في الكتابة تنتج من سياقات العيش اليومي، نبرة متناقضة وعاطفية ومزاجية تحاكي الأخطاء الطبيعية التي يرتكبها البشر في سياق حياتهم ويبنون من خلالها موقفاً من العالم والسياسة والعلاقات البشرية بمختلفها. ثمّة موقف مهم في الكتابة البشرية لا ينتج من صياغات لغوية، بل من الأخلاق. بينما يحاكي الذكاء الاصطناعي أنماطاً تتطوّر في كلّ لحظة في محاولة الوصول إلى الكمال، لهذا قد لا يمتلك المقال الآلي أيَّ خطأ لا في الصياغة ولا في المعلومة، وقد لا يكون هناك تناقض في السياق، مع ذلك لا يمكن معه الوصول إلى أيّ موقفٍ إنسانيٍّ أخلاقيٍّ تجاه قضية ما.
والحال أن استخدام منصّات الذكاء الاصطناعي بات من ضرورات الحياة لما تقدّمه من خدمات مساعدة تسرّع في عملية الإنجاز بشكل مهول بما لا يمكن للبشر فعله مهما حاولوا، خصوصاً في المهام القابلة للقياس، فأشياء كالشكّ والتردّد والخطأ والبطء وسؤال المعنى والمغزى، وهي أشياء محض بشرية يمكنها أن تؤخّر أيَّ إنجاز، مؤقّتاً كان أم دائماً. وفي الوقت نفسه، يجب إحلال التوازن بين استخدام تلك المنصّات وإنتاجنا الشخصي بشراً وأفراداً، فهذه الآلات مساعدة لا ينبغي أبداً مقارنة أنفسنا بها؛ المقارنة لن تكون في مصلحتنا مطلقاً، إذ ستجعلنا نشعر أننا مجرّد آلات بطيئة، ومهما طوّرنا مهاراتنا فلن نصل إلى النسخة المثالية التي قد تصل إليها الآلة. أساساً مجرّد التفكير في
ارسال الخبر الى: