الاختبار الأخلاقي

31 مشاهدة

لئلا نختلف حول وجود الحقيقة من عدمه، سنعترف بتلك الحقائق التي توافَق أغلب البشر عليها، فالعدالة والحريات بأنواعها، كذلك ما يلتحق بها من قضايا، مثل الديمقراطية والعلمانية والليبرالية، مهما جرى من خلاف حولها، أصبحت بمثابة الحقائق التي يدافع البشر عنها، وقد ينذرون حياتهم لها، ولا ريب أن هناك أعداداً كبيرة من المثقّفين يدعون إليها، ومنهم من يعتبرها قضيته الكبرى، من دونها لا معنى لحياته. كما أصبح من المألوف توافر مثقفين يدافعون بصدقٍ عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة، وهم من الكثرة حتى إنه نادراً ما نجد مثقفاً لا يؤمن بها، وبات وصف مثقف يستدعي آلياً هذه القضايا، إلى حدٍّ بات لا يمكن الفصل بينه وبينها.

لكن ماذا عن موقع الحقيقة في علاقة المثقف بما يؤمن به، في حال حدث تناقض بينهما؟ أي ماذا لو تعارضت الحقيقة مع القضية التي يتبناها؟ ترى عن أيهما سيتغاضى؟ على سبيل المثال، هل يجوز أن ينشر واقعة لم يتحقق منها، أو يكذب بشأن حادثة يعرف أنها قد تؤذي قضيته، لأنها تخدم موقفه السياسي؟ ليس التناقض هنا في أن يكون مخطئاً فحسب، وإنما في أن إغفال الحقيقة وتجاهلها يمنحانه استثناء يدعم موقفه.

قد يبرر ما فعله بأنه كذب من أجل الحقيقة، أو أن عدالة قضيته تمنحه إعفاءً أخلاقياً، وإذا أردنا تفهّم ما أقدم عليه، يمكن القول إنه لم يعد يرى الحقيقة إلا من خلال قضيته، فهو ميال ومستعد لتصديق ما يريد تصديقه، ونشر ما يريد نشره، وتأويل الوقائع بما يناسبه. وبذلك يتحول من حيث لا يشعر إلى صورة مصغرة عن السلطة التي كان يعارضها، السلطة التي تُحدّد الحقيقة مسبقاً، ثم تبحث عن الوقائع التي تثبتها.

ما يستدعي السؤال، هل يؤمن المثقف بالحقيقة فعلاً أم يؤمن فقط بحقيقة تخدمه؟ إذا كانت الإجابة الثانية، فإن الدفاع عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان يصبح قابلاً للتحوّل إلى عقيدة مغلقة؛ وكل عقيدة مغلقة تستطيع تبرير ما تطلقه من ادعاءات.

لذلك ليس من الصواب، الاعتقاد بأن الحقيقة تمتلك قيمة مستقلة عن الموقف

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح