الاتحاد السوفيتي تجربة صنعت جيلا

عبدالكريم أحمد سعيد
في حياة الإنسان محطات تبقى راسخة في الذاكرة مهما تعاقبت السنوات وتغيرت الظروف، لا بطول الزمن الذي قضيناه فيها، بل بعمق الأثر الذي تركته في النفوس. ومن بين تلك المحطات تبقى رحلتي الدراسية إلى الاتحاد السوفيتي عام 1983 واحدة من أهم التجارب الإنسانية والعلمية التي أثرت في حياتي وأسهمت في تشكيل رؤيتي للعالم. فقد كانت تلك السنوات أكثر من مجرد مرحلة دراسية للحصول على شهادة جامعية، بل كانت مدرسة متكاملة في العلم والثقافة والانضباط والعلاقات الإنسانية، حملت منها قيماً ومعارف وتجارب رافقتني في مختلف مراحل حياتي المهنية والوطنية.
بعد أن أنهيت الدراسة الثانوية العامة وأديت الخدمة العسكرية الإلزامية لمدة عامين في العاصمة الحبيبة عدن، حصلت على منحة دراسية إلى الاتحاد السوفيتي، الدولة التي كانت آنذاك إحدى القوى الكبرى في العالم ووجهة علمية وثقافية يقصدها آلاف الطلاب من مختلف البلدان. وفي مطلع يوليو 1983 غادرت عدن وأنا أحمل أحلام شاب يتطلع إلى المستقبل ويأمل أن يعود إلى وطنه مزوداً بالعلم والمعرفة ليسهم في خدمة شعبه ووطنه.
كانت أولى خطواتي على أرض الاتحاد السوفيتي في العاصمة موسكو، وما زلت أتذكر لحظة الوصول إليها وكأنها حدثت بالأمس. امتزجت رهبة السفر الطويل بمشاعر الفضول والشوق لاكتشاف هذا العالم الجديد، غير أن ما خفف عنا مشقة الرحلة هو ذلك الاستقبال الدافئ الذي حظينا به منذ اللحظة الأولى. فقد استقبلنا الأصدقاء الروس بترحاب صادق واهتمام كبير جعلنا نشعر بأننا بين أهل وأصدقاء لا بين غرباء.
أقمنا أربعة أيام في أحد فنادق موسكو، كانت كافية لتترك في نفوسنا انطباعاً لا يُنسى عن هذه المدينة العريقة. تجولنا في شوارعها الواسعة وساحاتها الشهيرة وتأملنا معالمها التاريخية والحضارية. وكانت الساحة الحمراء والكرملين من أبرز ما شد انتباهنا، حيث شعرنا ونحن نقف أمامهما أننا نلامس صفحات حية من التاريخ. ومنذ تلك الأيام الأولى بدأ يتشكل لدينا انطباع عن شعب يعتز بتاريخه ويمنح العلم والثقافة مكانة رفيعة في حياته.
وبعد استكمال إجراءات توزيع الطلاب على مختلف جمهوريات الاتحاد السوفيتي،
ارسال الخبر الى: