الإسكندرية بلا ترام ترميم ذاكرة المدينة أم قطيعة معها
46 مشاهدة
يبدو ترام الإسكندرية في نظر الكاتب المصري حجاج آدول أقرب إلى علامة تعريف لها منه إلى مجرد وسيلة نقل فكما تختصر مدن عالمية نفسها في معالم محددة يرى أن هذه المدينة المتوسطية تجد صورتها الأوضح في خطين متوازيين البحر والترام حيث ظل الأخير رغم تقادمه وإهمال صيانته عبر سنوات طويلة جزءا أصيلا من شخصيتها في تصريحه لـالعربي الجديد يرى آدول أن إيقاف خط الترام اليوم لا ينفصل عن مسار أوسع من التغييرات التي طاولت معالم الإسكندرية من ردم ترعة المحمودية إلى هدم مبان تراثية واستبدالها بكتل خرسانية وصولا إلى اختفاء دور سينما شكلت ذاكرة جمعية للسكندريين هذه الرؤية تتقاطع مع حالة الجدل التي تصاعدت خلال الأشهر الأخيرة مع بدء الحكومة المصرية في تنفيذ مشروع تطوير ترام الرمل فالمشروع الذي يقدم رسميا باعتباره نقلة نوعية نحو نظام نقل حديث يعتمد على قطار خفيف أكثر سرعة وكفاءة استلزم إيقاف تشغيل الترام القديم تدريجيا تمهيدا لإعادة تأهيل الخط بالكامل وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن الهدف هو تحسين الخدمة وتقليل زمن الرحلات ورفع القدرة الاستيعابية يرى كثيرون أن الأمر يتجاوز مجرد تحديث تقني ليطاول بنية الذاكرة الحضرية نفسها بدأت الأزمة فعليا مع إعلان إيقاف بعض الخطوط قبل أن تتسع مع دخول المشروع حيز التنفيذ وما صاحبه من اختفاء بعض خطوط الترام الرئيسية ومع كل مرحلة من الإيقاف كانت تتزايد الأسئلة عن مصير الترام الذي بدأ تشغيله في ستينيات القرن التاسع عشر هل سيعود في صورة قريبة من شكله القديم أم أننا أمام قطيعة كاملة مع هذا التاريخ الممتد لأكثر من قرن وبين نفي رسمي لفكرة الإزالة وتأكيد أن ما يجري تطوير شامل ظل الانطباع السائد لدى قطاعات واسعة من السكندريين أن ما يختفي ليس وسيلة نقل بل نمط عيش كامل يمثل فضاء يوميا تشكلت داخله علاقات الناس وعاداتهم لذلك يقرأ مشروع الترام الحالي ضمن سياق أوسع من التحولات العمرانية التي غيرت وجه الإسكندرية خلال العقود الأخيرة وبينما قد تبدو هذه التحولات ضرورية من منظور التخطيط الحديث فإنها تثير في الوقت نفسه سؤالا ملحا عن الثمن الثقافي الذي تدفعه المدينة مقابل ذلك في هذا الإطار يكتسب الترام دلالته الخاصة فهو يمثل في نظر أهل الاسكندرية فضاء يوميا تشكلت داخله علاقات وعادات من خلاله تعلم السكندريون جغرافيا مدينتهم واختبروا إيقاعها البطيء وتشاركوا لحظات عابرة تحولت مع الوقت إلى جزء من الذاكرة يشير الفنان ورسام الكاريكاتير السكندري سمير عبد الغني إلى جانب آخر من هذه التجربة حيث يتيح الترام بحسب رؤيته نوعا من المشاهدة المفتوحة للمدينة فالنوافذ الواسعة ومساره المكشوف يجعلان الرحلة أشبه بجولة بصرية عبر معالم الإسكندرية من دون عوائق كذلك يظل في الوقت نفسه وسيلة نقل ميسرة التكلفة تربط بين أحياء المدينة المختلفة وتخدم قطاعات واسعة من السكان ولعل تجربة إسطنبول تقدم نموذجا يمكن التوقف عنده إذ أعادت المدينة تشغيل الترام التاريخي في مسار محدود داخل منطقة شارع الاستقلال بكونه وسيلة نقل تمثل عنصرا تراثيا وسياحيا يحافظ على ذاكرة المكان إذ أبقي عليه ضمن نطاق رمزي يتيح حضوره البصري وتجربته الحسية من دون أن يتعارض مع شبكات النقل الحديثة