الأمر الواقع

40 مشاهدة

حين يرِد تعبير حكومة الأمر الواقع في السياق السوري، يتبادر إلى الذهن، ما يحمله من معنى سلبي، المقصود منه عدم توافر الشرعية، أو على الأقل خللاً في الحضور السياسي. أما إذا أدركنا أن الشرعية ليست جائزة تمنح عبر الانتخابات كما عرفناها، وإلا كانت سلطة الأسد شرعية، عندما كانت صناديق الانتخاب غطاء للبوط العسكري، لم تكن الشرعية إلا خدعة صناعة مخابراتية.

في حالات الاضطرابات الكبرى، لبلد عاش مرحلة من الدكتاتورية الرثة، لا تتوافر عند سقوطها نقطة يمكن الانطلاق منها، إلا الفوضى المتخلفة عنها، مع خطر دائم بالانزلاق إلى الأسوأ. لا يكون السؤال: هل هذه الحكومة شرعية أم لا؟ بل: هل تسدّ الفراغ أم تعمّقه؟ هل تُدير ما هو قائم أم تتركه يتفكك؟ سورية ليست بلداً جاهزاً كي ينفرط الى مكوناته فقط، بل إلى تفتت مكوناته نفسها أيضاً.

منذ التحرير، كان لا بد من مراعاة فترة انتقالية شديدة التعقيد، لا يمكن أن تُقرأ إلا بوصفها تعبيراً عن القدرة على الإمساك بما هو ممكن، في بلد ليس في حالة استقرار، حتى نُسقط عليه معايير الدول الراسخة. إنه ساحة مثقلة ببنية تحتية منهارة، واقتصاد مهلهل، ونسيج اجتماعي مشروخ، وذاكرة جماعية مثقلة بالعنف. لم تأت السلطة نتيجة عملية سياسية مكتملة، بل استجابة لإيقاف انهيار دولة.

من هذا الوضع، يمكن النظر إلى حكومة الأمر الواقع، ولا يعني التسليم بها كقدر دائم، بل الاعتراف بمرحلة انتقالية تفرض أدواتها الخاصة، ليست الشكل المثالي للسلطة، وإنما التعويل عليها بما يمنع الفوضى، وخلق حد معقول من النظام. ما يعني اختباراً يومياً لإمكانية السلطة على تمهيد الطريق نحو فتح أفق إلى الدولة.

ماذا يحدث إذا رفضنا حكومة الأمر الواقع؟ غالباً، لا يأتي البديل على شكل نموذج مثالي جاهز، بل على شكل فراغ في سياق هشّ، ليس آمناً، مفتوحا لقوى أكثر راديكالية وتهوراً، فوضوية وأشد عنفاً، وأقل قابلية للمساءلة. إن الرفض مع عدم وجود بديل واقعي، حتى لو بدا أخلاقياً في الظاهر، لكنه عقيم سياسياً.

التعامل بإيجابية مع السلطة لا يعني تبرير

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح