هل الأدب بخير
يحتفل الغرب كلّ خريف بالعودة الأدبية، في مراسم صاخبة: كتبٌ بالآلاف. جوائز بلا حصر. إعلامٌ يتحدّث عن صوتٍ جديد كُلَّ أسبوع، قبل أن ينتقل إلى صوتٍ أجدّ. والحقّ أنّ هذا النجاح الظاهر لا يفلح في إخفاء طغيان البعد التجاري على المشهد، والتباس النقد بالبروباغندا، وغلبة أرقام المبيعات، شيئاً فشيئاً، على المغامرة الأدبيّة في ذاتها، وتحوّل الأدب إلى مهرجانٍ للاستهلاك الرمزيّ، يُوزَّع فيه رأسُ المال الثقافيّ كما توزّع النقاط، في لعبةٍ اجتماعيّة، يدّعي الكلُّ فيها أنّه لا يلعب.
أمّا في البلاد العربيّة فقد تطوّر الإبداع وتحسّنت الطباعة وازداد عدد الجوائز، وظهر ما يشبه العودة الأدبيّة. لكن أيّ عودة؟ وعودة إلى ماذا؟ لقد ظلّ المشهد مرتبطًا بالرعاية (أو التوظيف) أكثر من ارتباطه بالسوق. ولم تستطع الموهبة أن تستقلّ عن المؤسّسة النافذة. ولم ينجح الأدب في صناعة قرّاء بالعدد الكافي، والتعويل عليهم لتأمين استقلاله المادي. لذلك تراجع الفيلتر القيميّ، وتقدّمت الولائيّات والشلليّة، واختلط الحابل بالنابل، وانفلت عيار اللهاث خلف الجوائز والمهرجانات، وكثر التنافس عليها والطعن فيها، وبتنا أمام ريعٍ اقتصاديّ من جهة، يقابله ريع رمزيّ من الجهة الأخرى، للإيهام بأن الأدب ما زال قادرًا على إنتاج المعنى.
هل الأدب بخيرٍ حقًّا؟ سؤال بسيط يُحرج الجميع، ولن يلبث أن يتمخّض عن سؤال أشدّ مراسًا: هل الإنسان في العالم بخير؟ خصوصاً حين ننظر إلى الأدب بوصفه حقلاً رمزيّاً، لم يعد ممكناً فيه النظرُ إلى الكتاب بوصفه كائناً بريئاً يولد من عبقرية فردية. الأدب اليوم يُدار في أغلبه بمنطق السوق، وهو منطقٌ يمكن أن يدافَع عنه لو كان في خدمة قُوت الكاتب وكرامته. ونادراً ما يحصل ذلك. الكُتّابُ علاماتٌ تجارية. حتى التمرّد صار جزءاً من الخطة التسويقية. وما كان في الماضي موقفاً أصبح اليوم مجرّد سيمولاكر.
لكن الحقيقة تبدو أكثر قسوة. صار الأدب نفسه سلعةً بعد أن كان يوماً ملاذاً للغة ضدّ الاستهلاك. واحترف معظمُ الناشرين ابتكار اتجاه جديدٍ كلّ عام، كما يبتكر مصمّمو الأزياء خطوط الموضة: شعر اليقظة الذهنيّة، أدب التحفيز الإيجابي، رواية التنمية الذاتية،
ارسال الخبر الى: