الأحداث الإيرانية صدمة جماعية رسخت الخوف من المستقبل

66 مشاهدة
يرى متخصصون إيرانيون أن موجات العنف التي شهدتها البلاد أخيرا تعد مؤشرا على أزمة نفسية واجتماعية عميقة نتيجة الضغوط الاقتصادية والمعيشية وأن تجاوزها مستحيل من دون تحقيق العدالة والإصلاح دخل المجتمع الإيراني إحدى أعمق حالات الصدمة الجماعية في تاريخه الحديث عقب مقتل آلاف الأشخاص خلال يومين في الثامن والتاسع من يناير كانون الثاني الماضي على خلفية الاحتجاجات التي عمت عددا من المدن وقد ألقت وطأة الصدمة بثقلها على أغلب المواطنين وسط حالة من الحزن والذهول ولا سيما بعد اكتشاف حجم الخسائر البشرية الجسيمة إثر انتشار مشاهد مصورة من داخل دوائر الطب العدلي ومن مراسم التشييع والعزاء لا تزال الارتدادات النفسية والاجتماعية لهذه المشاهد المروعة حاضرة بقوة في المجتمع الإيراني وفي ظل استمرار تضارب الروايات الرسمية وغير الرسمية بشأن الأحداث الأخيرة وأعداد الضحايا والمسؤولين المباشرين عن سقوطهم يجد الإيرانيون أنفسهم بمعزل عن هذه السرديات أمام تداعيات نفسية عميقة وأسئلة ملحة حول جذور هذا العنف وكيف وصل الأمر إلى حد مصرع 3117 شخصا خلال أيام قليلة بحسب البيانات الرسمية وتفيد السلطات بأن 2427 من القتلى بينهم أفراد من قوات الأمن سقطوا على يد جماعات مسلحة ومثيري شغب وتصفهم بـالشهداء فيما تتهم المعارضة الدولة بقمع المحتجين وقتلهم وكانت منظمة حقوق الإنسان في إيران إيران هيومن رايتس قد أعلنت في 14 يناير مقتل ما لا يقل عن 3428 متظاهرا وإصابة الآلاف وفي 22 يناير كشفت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في إيران ماي ساتو أن التقديرات الأولية تظهر مقتل نحو 5 آلاف شخص أو أكثر محذرة من أن تقارير أطباء داخل البلاد تفيد بأن هذا الرقم قد يصل إلى ما لا يقل عن 20 ألف قتيل بحسب ما أوردت إیران إینترنشنال وبين الروايات والأرقام المتعارضة تكشف مشاهد متداولة أن الاحتجاجات تخللتها أعمال قتل وعنف وتخريب واسعة وصفت بأنها غير مسبوقة على الأقل خلال العقود الأخيرة كما تظهر هذه المقاطع أن مستوى المواجهة في الشارع تجاوز ما اعتاده الإيرانيون في موجات احتجاج سابقة من مشاهد قتل المواطنين من جهة واستهداف قوات الأمن والشرطة وقتل بعضهم بعضا والهجوم على منشآت دينية وعسكرية من جهة ثانية ويرى المتحدث باسم الجمعية العلمية للطب النفسي الإيرانية الطبيب أمير حسين جلالي ندوشن أن موجات العنف التي شهدتها إيران خلال الاحتجاجات الأخيرة لا يمكن فهمها بوصفها نتاجا لنزعة طارئة بل باعتبارها مؤشرا على أزمة نفسية اجتماعية عميقة تراكمت على مدى سنوات طويلة من الضغوط الاقتصادية وتآكل الثقة وانسداد قنوات التعبير المؤسسي ويوضح لـالعربي الجديد أن المجتمعات عندما تدخل في دورة الصدمة والحداد والغضب وانعدام الثقة لا يكون العنف فيها سببا بقدر ما يكون علامة على اختلال أعمق لافتا إلى أن استمرار الانقطاع الواسع في الاتصالات وتضارب الروايات حول أعداد الضحايا وظروف سقوطهم صعب عملية التحقق المستقل وأسهم في تعميق الصدمة الجماعية ويشير الطبيب النفسي إلى أن المجتمع في إيران كان يعاني قبل هذه الأحداث إنهاكا في قدرته على الصمود النفسي نتيجة أزمات بنيوية اقتصادية واجتماعية متواصلة ومع مشاهد القتل والإصابات الواسعة وفقدان التواصل مع الأقارب انهار الإحساس العام بـقابلية التنبؤ وهو عنصر أساسي في الاستقرار النفسي ويؤكد أنه في ظل شح المعلومات الموثوقة تسود المخاوف والتخيلات الكارثية مكان التحليل العقلاني ويتحول القلق إلى غضب ويشرح جلالي ندوشن أن الضغط الاقتصادي لا يؤدي تلقائيا إلى العنف إلا عندما يقترن بإحساس عميق بالظلم موضحا أن أخبار الفساد المالي وسوء استخدام الموارد العامة وغيرها تشكل وقودا لغضب جماعي متراكم معتبرا أن المواطنين لا يشعرون حينها بالفقر فحسب بل بالإهانة وغياب مسار عادل للإصلاح وهو ما يرفع احتمالات السلوك الانفجاري ويشدد على تداعيات تآكل التنظيمات والحركات الاجتماعية في تعقيد الأزمة موضحا أن ضعف الأحزاب والنقابات والجمعيات المهنية والإعلام المستقل وآليات الشكاوى الموثوقة يحول العلاقة بين المجتمع والسلطة إلى علاقة ثنائية حادة إما صمت قاس أو انفجار عنيف وعندها تتحول الشوارع إلى مساحة مختلطة للاحتجاج وتفريغ الغضب وأحيانا إلى تصفية حسابات أو استغلال انتهازي ويتطرق الطبيب إلى علم نفس الحشود مشيرا إلى أن التجمعات الكبيرة والمتوترة في المجتمعات تشهد عادة ثلاث ظواهر متزامنة تراجع الضبط الذاتي بحيث يقدم الأفراد على أفعال لا يقومون بها بشكل فردي عدوى الانفعال إذ تنتقل مشاعر الخوف والغضب بسرعة والاستقطاب الأخلاقي الحاد حيث ينظر إلى الذات باعتبارها تمثل الخير المطلق بينما يجرد الآخر من إنسانيته ويؤكد جلالي ندوشن أن توصيف هذه الآليات لا يهدف إلى تبرير العنف أو تسويغ القمع بل إلى الفهم والوقاية متحدثا عن حلقة العنف المتبادل وعن تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش التي أظهرت استخداما واسعا للقوة المميتة ويرى أن الكلفة القاتلة للاحتجاجات السلمية قد تدفع بعض المحتجين نحو الراديكالية وقد نشهد تصعيدا إضافيا في حال اعتبر أي تجمع تهديدا ويحذر الطبيب النفسي من أن تجاوز هذه الأحداث من دون كشف مقنع للحقيقة وتحقيق حد أدنى من العدالة والإصلاح لن يؤدي إلا إلى هدوء مؤقت مؤكدا أن الحداد غير المعترف به يتحول إلى غضب مزمن وأن غياب الرواية الموثوقة يسرع الاستقطاب ويهدد بموجات أشد عنفا في المستقبل إلى جانب تفاقم فقدان الثقة وهجرة الكفاءات واستنزاف رأس المال البشري بدوره يقول عضو جمعية علم الاجتماع الإيرانية أحمد بخارائي لـالعربي الجديد إن المجتمع الإيراني يعيش منذ عقود في بيئة مشبعة بأشكال متعددة من العنف تمارسها البنية السياسية ما انعكس بشكل مباشر على السلوك الاجتماعي وأسهم في تحول بعض الاحتجاجات السلمية إلى مواجهات عنيفة ويوضح بخارائي أن العنف الاقتصادي يتجلى في المؤشرات المعيشية مشيرا إلى أن خط الفقر تجاوز ما يراوح بين 50 و55 مليون تومان شهريا بين 310 و 340 دولار أميركي في وقت يعاني فيه أكثر من نصف خريجي الجامعات البطالة إلى جانب اتساع الفجوة الطبقية وصعود طبقة جديدة ذات طابع ديني سياسي إلى مواقع الحكم مع اختفاء تدريجي لشرائح اجتماعية أخرى ويتابع بخارائي يتمثل العنف السياسي في آليات الإقصاء وعلى رأسها الإقصاء الانتخابي والاختيارات الأيديولوجية التي تؤدي إلى استبعاد الكفاءات والمتخصصين من المجال العام مع اتساع دور الرقابة وقد تجلى رد المجتمع على هذا النوع من العنف في تراجع نسب المشاركة الانتخابية إذ لم تتجاوز المشاركة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة 40 وهو مستوى غير مسبوق في تاريخ إيران كما انخفضت نسبة المشاركة في الانتخابات الرئاسية اللاحقة 2024 إلى أقل من 50 ويؤكد أن العنف الاجتماعي لا يقل حضورا ويتمثل في هيمنة الفضاء الأيديولوجي والنهج الرقابي الأمني على مفاصل المجتمع بما في ذلك الجامعات والمؤسسات التعليمية وقطاعات أخرى ما أسهم في إنتاج بيئة حدت من حرية التعبير في إيران ورسخت ثقافة الخوف ويعتبر بخارائي أن تراكم هذه الأنواع من العنف أدى إلى تنشئة أجيال داخل مناخ عنيف ويضيف إن لجوء بعض المحتجين إلى العنف بعد بدء تحركاتهم بشكل سلمي يعود إلى تلك التراكمات وإلى حالة الغضب المكبوت عبر سنوات لتنفجر عند أول فرصة سانحة ويقول بخارائي يكمن الحل في إدراك أن الوهم الأيديولوجي قد بلغ نهايته وأن المرحلة الراهنة تتطلب تحولا حقيقيا في طريقة التفكير والحكم مبديا تشاؤمه من حدوث هذا التحول في المدى القريب ويرى أن أحداث يناير شكلت محطة مفصلية أظهرت أن المجتمع الإيراني يتحرك نحو الأمام لكن بثمن مرتفع محذرا من أن تكرار هذه الوقائع في ظل غياب المعالجة الجذرية قد يكون أشد عنفا وحدة وتعكس شهادات المواطنين لـالعربي الجديد حجم التأثير اليومي لهذه الأحداث إذ تقول سارة وهي معلمة تبلغ من العمر 46 عاما إن مقتل الآلاف يمثل أزمة نفسية عميقة وتشير إلى أنها تلاحظ بين التلاميذ نقيضا واضحا إما ارتفاع مستويات القلق والعصبية وإما بلادة عاطفية لدى البعض معتبرة أن تداخل الصدمة النفسية مع الضغوط المعيشية يهيئ المجتمع لانفجارات غضب جديدة أما داريوش وهو موظف متقاعد فيرى أن سنوات من التدهور الاقتصادي جعلت المجتمع أقل قدرة على التحمل ويقول إن كثيرين يعيشون اليوم بين حداد مستمر وقلق يومي على لقمة العيش ما أضعف الثقة الاجتماعية وعمق الإحساس بالمرارة ويتابع إلى جانب هذه العوامل ثمة عوامل خارجية منها محاولات تآمرية من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لاستغلال وضع البلاد من أجل تصفية الحسابات مع الجمهورية الإسلامية ويتهم داريوش قنوات إيرانية معارضة في الخارج بأنها غذت العنف في البلاد وروجته إذ دعت إلى مهاجمة المؤسسات الحكومية والمقرات العسكرية وقتل العسكريين وتقول فتاة إيرانية 16 عاما رفضت الكشف عن اسمها إن العنف يولد العنف وإن هناك جيلا يشعر بالخوف ليس فقط من العنف بل من المستقبل ذاته وترى أن انعدام الأمل يدفع بعض المراهقين إلى العصبية والانفعال بينما يختار آخرون الانسحاب واللامبالاة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح