اضطراب سلاسل التوريد والأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج

58 مشاهدة
خلال فترة كورونا بدا أن العالم استفاد وتعلم عددا من الدروس في ما يخص سلاسل التزويد أو التوريد والانفتاح على التجارة العالمية ومسائل تتعلق بالأمن الغذائي فحين ضربت جائحة كوفيد 19 العالم عام 2020 كشفت عن وهن البنية التحتية للتجارة الدولية ففي الربع الثاني من ذلك العام تراجع حجم تلك التجارة في السلع بنسبة 12 2 فيما تراجعت تجارة الخدمات بأكثر من 20 مقارنة بالربع الأخير من العام 2019 وكان المشهد أشد وطأة حين تبين هشاشة القطاعين الصحي والصناعي قبل الجائحة كان 25 من الإنتاج الصناعي العالمي يتركز في الصين وحدها وحين تعطلت الصين توقف العالم معها وتبع ذلك ارتفاع تكاليف شحن الحاويات من الصين إلى الولايات المتحدة بما يزيد على الضعفين خلال عامي 2020 و2021 وكان من المأمول أن الأزمة نجمت عنها استراتيجيات جديدة إذ بدأت الشركات تعيد رسم خرائط التزويد وأخذت الحكومات تتحدث بجدية عن مرونة سلاسل الإمداد لأول مرة بوصفها ضرورة أمنية وكانت رسائل الدول المتضررة واضحة الاعتماد على مورد واحد او عدد قليل لم يعد مقبولا لا أمنيا ولا اقتصاديا ومن خلال الاختناقات التي حصلت خلال تلك الفترة كان واضحا أن هناك ما يمكن وصفه بالاستدارة الداخلية أي التركيز على البناء الداخلي في ما يتعلق بالإنتاج المحلي والأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الخارج وواجه العالم أزمة اقتصادية عميقة تمثلت بتراجع الناتج المحلي الإجمالي في معظم دول العالم وفي الوقت نفسه شهد العالم ارتفاعا كبيرا في أسعار العديد من السلع بسبب نقص التزود هذا الركود التضخمي لم يكن مسألة معهودة على مدى العقود السابقة وفي العادة عندما يحدث يرتبط بمتغيرات مثل أسعار الفائدة وتذبذب أسعار الصرف وارتفاع معدلات البطالة نتيجة تراجع الإنتاج المحلي ولكن ما حدث هو أن المعروض تراجع لأسباب لوجستية بحتة نجمت عن انتشار فيروس كورونا وهو حدث استثنائي قاد أيضا إلى خلاصات مختلفة وبدا في حينه أن الكثير من الدول بدأت تخط طريقا مختلفا على سبيل المثال استثمرت الولايات المتحدة مئات المليارات من الدولارات لاستعادة صناعة الرقائق الإلكترونية وإحياء التصنيع المحلي لأشباه الموصلات وفي مجال الطاقة أسفر قانون خفض التضخم Inflation Reduction Act عن استثمارات بالمليارات في الطاقة النظيفة المحلية ألغاه الرئيس دونالد ترامب لاحقا وعلى صعيد الاستجابة الرقمية تسارع اعتماد الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء في مراقبة سلاسل الإمداد على أن يستمر العمل حتى نهاية العام المقبل لاستكمال المنظومات الرقمية لمراقبة سلاسل الإمداد ولكن التنفيذ الفعلي يبرز تمايزا واضحا بين ما فعلته الحكومات والقطاع الخاص ففي حين تحركت الحكومات لدواع أمنية واستراتيجية نوعت الكثير من الشركات الخاصة العملاقة من عدد الموردين ولكنها لم تتمكن من العودة إلى الداخل وتوطين الصناعات الحساسة لأسباب تتعلق بالكلف وتوافر البنى التحتية والعمالة الملائمة للتصنيع وما جرى فعليا إعادة توزيع المخاطر وليس تقليلها والفرق كبير بينهما وبات واضحا أن الكثير من الدول حول العالم ولا سيما الآسيوية منها ما زالت تعتمد على عدد محدود من السلع الأساسية التي لا بد لها من المرور جغرافيا عبر عدد من الممرات المائية مثل مضيق هرمز أو مضيق باب المندب وقناة السويس كل ذلك يقودنا إلى الاستنتاج بأن الحديث عن تراجع منطقة الخليج بوصفها منطقة استراتيجية حيوية لبقية دول العالم يبدو مغايرا للواقع بالنظر إلى آثار الحرب الدائرة على أسعار السلع ولا سيما المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بالنفط والغاز والطاقة الأولية بشكل عام إذ لا يزال العالم يتعلم بعد خمس سنوات من كوفيد 19 أن هناك تقدما في التنويع والرقمنة ولكن سلاسل الإمداد العالمية لا تزال مكشوفة أمام صدمات الطاقة الكبرى وأن الفجوة بين إعادة توطين المصانع وإعادة بناء منظومات إمداد لا تزال شاسعة هذا إن كان بالإمكان إعادة بنائها وثبت أن العالم مع كل التحولات التي شهدها في السنوات الأخيرة بما يوصف بالانتقال إلى مصادر الطاقة الجديدة وتعزيز استخداماتها في النقل والتصنيع ما زال يعتمد بشكل أساسي على الموارد الطبيعية التي تتأتى بشكل أساسي من دول الخليج فما إن أعلنت قطر تفعيل قانون القوة القاهرة وتوقف إمدادات الغاز إلى أسواق العالم إلا وشهد العالم ارتفاعا كبيرا في أسعار الغاز الطبيعي المسال كذلك الأمر حدث في أسعار النفط التي ارتفعت بنسبة تقترب من 50 قبل أن تعود إلى مستويات أقل قليلا وبغض النظر عن التذبذبات اليومية التي تشهدها الأسعار العالمية فإن العنوان الأبرز الذي يمكننا التوصل اليه هو أن التحولات العالمية في مجال الطاقة تجري بوتيرة أقل بكثير مما تتناقله وسائل الإعلام وبعض مراكز الأبحاث المرموقة كذلك لم يحدث التحول إلى الداخل وتعزيز الاعتماد على المصادر المحلية التغيير المطلوب في الخلاصة هناك ثلاثة متغيرات ستحدد مسار الاقتصاد العالمي حتى منتصف العام الجاري وترتبط بمدة الصراع القائم ومصير الممرات المائية ومدى قدرة الاقتصاد العالمي على استيعاب موجة تضخمية جديدة فالبنوك المركزية تجد نفسها في مواجهة معضلة كلاسيكية تتمثل بالاضطرار إلى رفع أسعار الفائدة لكبح التضخم المتأتي من أسعار الطاقة مما قد ينجم عنه كبح النمو في اقتصادات تعاني أصلا التباطؤ الاقتصادي ومن الواضح أن الاقتصاد العالمي المترابط يعني أن كل صدمة جيوسياسية هي بطبيعتها اقتصادية والممرات المائية ليست مسارات ملاحية بل تمثل عصب الاقتصاد العالمي كذلك ركزت إعادة الاستدارة الداخلية والتوطين للصناعات التي تبعت أزمة كوفيد على قطاعات عالية القيمة مثل الرقائق والإلكترونيات لم تساهم كثيرا بتقليل حدة انكشاف سلاسل إمداد السلع الغذائية ومصادر الطاقة الأولية التي تشكل الأساس الصلب للصناعات والخدمات وهو ما يتكشف الآن بوضوح

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح