استيراد المدربين هل يشتري النجاح للأندية والمنتخبات العربية
74 مشاهدة
على مدار العقود الماضية أصبح التعاقد مع المدرب الأجنبي خيارا شبه ثابت في الكرة العربية سواء على مستوى الأندية أو المنتخبات هذا التوجه لم يأت من فراغ بل من قناعة راسخة لدى الإدارات بأن الخبرة الأوروبية أو اللاتينية قادرة على إحداث الفارق سريعا غير أن تكرار التجارب بين نجاحات لافتة وإخفاقات متكررة أعاد طرح سؤال جوهري هل المدرب الأجنبي يمثل مشروعا حقيقيا للتطوير أم مجرد حل مؤقت يخفي أزمات أعمق في بنية كرة القدم العربية وعلى الرغم من نجاح العديد من التجارب الأجنبية فإنها شكلت استثناء في مشهد عام يتسم بعدم الاستقرار فعلى سبيل المثال نجحت تجربة هيرفي رينارد مع منتخب السعودية لكرة القدم خصوصا بعد الفوز التاريخي على الأرجنتين في كأس العالم 2022 في قطر وهو إنجاز أعاد الثقة بقدرة المدرب الأجنبي على إحداث صدمة إيجابية مثل ما قاد كارلوس كيروش عدة منتخبات في المنطقة ونجح في تنظيمها تكتيكيا ما يعكس القيمة الفنية التي يمكن أن يضيفها المدرب القادم من مدارس كروية متقدمة الجزائر وتونس nbsp أعلى نسب تغيير المدربين عالميا وأظهرت دراسة لمرصد كرة القدم CIES أن 56 9 من الأندية عالميا غيرت مدربيها خلال موسم واحد وفي الدوريات العربية تحديدا مثل الجزائر وتونس سجلت من أعلى نسب تغيير المدربين عالميا ما يشكل دليلا على أن المدرب الأجنبي يعامل بوصفه حلا سريعا وليس مشروعا طويلا كما تشير بيانات المرصد نفسه إلى أن أكثر من نصف الأندية عالميا تغير مدربيها خلال موسم واحد وهي نسبة ترتفع في بعض الدوريات العربية ما يعكس غياب الاستقرار الفني ورغم الاستثمارات الضخمة في الدوري السعودي تؤكد دراسات حديثة أيضا أن الفجوة بين الأندية ازدادت ما يطرح تساؤلات حول استدامة المشروع وتشير الأدلة إلى أن معدل بقاء المدرب في العديد من الدوريات العربية لا يتجاوز موسما واحدا بل إن بعض المدربين يقالون بعد أسابيع قليلة من التعاقد ما يكشف أن المشكلة لا تتعلق فقط بجنسية المدرب بل بثقافة إدارية تبحث عن النتائج الفورية دون بناء مشروع طويل الأمد فالمدرب الأجنبي غالبا ما يطلب منه الفوز بسرعة دون منحه الوقت الكافي لتطبيق أفكاره أو تطوير اللاعبين وتدعم لغة الأرقام هذا الطرح ففي عدة دوريات خليجية وشمال أفريقية يجرى تغيير الأجهزة الفنية بوتيرة مرتفعة مقارنة بالدوريات الأوروبية حيث يمنح المدرب هناك وقتا أطول للعمل هذا الفارق يعكس اختلافا في الفلسفة في أوروبا ينظر إلى المدرب بوصفه جزءا من مشروع بينما في كثير من الحالات العربية يعامل باعتباره حلا مؤقتا يمكن استبداله عند أول تعثر من جهة أخرى لا يمكن تجاهل الفجوة الثقافية التي يواجهها المدرب الأجنبي فالتعامل مع اللاعب العربي يتطلب فهما خاصا لطبيعة البيئة الاجتماعية والنفسية وهو ما لا ينجح فيه جميع المدربين بعضهم يصطدم باختلافات في الانضباط أو أسلوب التواصل ما ينعكس سلبا على غرفة الملابس في المقابل يمتلك المدرب المحلي ميزة فهم هذه التفاصيل لكنه غالبا ما يحرم من نفس مستوى الثقة والدعم ورغم ذلك شهدت الكرة العربية نموذجا مختلفا في السنوات الأخيرة تمثل في نجاح وليد الركراكي مع منتخب المغرب لكرة القدم حيث قاد الفريق إلى إنجاز تاريخي ببلوغ نصف نهائي كأس العالم 2022 هذه التجربة لم تكن مجرد نجاح فني بل دليلا على أن الاستثمار في الكفاءات المحلية المدعومة بتجربة أوروبية يمكن أن يكون أكثر فاعلية من الاعتماد الكامل على المدرب الأجنبي الكرة العربية مفترق طرق إلى جانب ذلك تلعب البنية التحتية دورا حاسما في نجاح أي مدرب سواء كان أجنبيا أو محليا فالدول التي استثمرت في الأكاديميات والتطوير مثل قطر عبر مشاريعها الرياضية نجحت في خلق بيئة تساعد المدرب على العمل وفق رؤية واضحة في المقابل تعاني أندية أخرى من ضعف في الفئات العمرية وغياب التخطيط ما يجعل مهمة أي مدرب شبه مستحيلة كما أن التطور التكنولوجي بما في ذلك استخدام تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي بدأ يفرض نفسه في كرة القدم الحديثة المدرب الأجنبي غالبا ما يكون أكثر خبرة في استخدام هذه الأدوات ما يمنحه أفضلية نسبية لكن هذه الأفضلية تفقد قيمتها إذا لم تتوفر بنية تنظيمية تدعم العمل العلمي داخل الأندية ويتضح أن المدرب الأجنبي ليس حلا سحريا كما أنه ليس المشكلة بحد ذاتها لأن النجاح والفشل يرتبطان بالسياق الذي يعمل فيه المدرب وبمدى وجود مشروع رياضي متكامل يدعمه كما تؤكد التجارب الناجحة أن المدرب الأجنبي يمكن أن يكون إضافة حقيقية لكن فقط عندما يمنح الوقت والصلاحيات ويعمل ضمن رؤية واضحة أما الاعتماد عليه باعتباره حلا سريعا لتحقيق البطولات فهو ما يجعل التجربة تبدو ناقصة وتبدو الكرة العربية اليوم أمام مفترق طرق إما الاستمرار في سياسة تغيير المدربين بحثا عن إنجازات سريعة أو الانتقال إلى مرحلة جديدة تقوم على التخطيط والاستثمار في الإنسان سواء كان مدربا محليا أو أجنبيا وفي هذا التوازن تحديدا قد يكمن مستقبل اللعبة في المنطقة