في حي أريانة الصغرى القريب من العاصمة تونس يتجول الطالب إياد الفرشيشي يوميا بحثا عن شقة للإيجار بسعر مناسب بعد أن انتهت صلاحية حقه في السكن الجامعي الحكومي الذي يمنح للطلاب مدة سنة واحدة غير قابلة للتجديد إلا في حالات خاصة حددت أسرة إياد الفرشيشي نفقات ابنها في اختصاص هندسة الاتصالات بما لا يتجاوز 600 دينار تونسي شهريا نحو 206 دولارات أميركية على أن تتوزع بين مصروفه الشخصي وقيمة إيجار السكن المشترك مع طلاب آخرين ويقول الطالب العشريني لـالعربي الجديد ارتفعت قيمة الإيجار فجأة خلال السنوات الأخيرة ووصلت إلى مستويات تفوق أحيانا الأسعار في الأحياء الراقية المطلة على البحر كل ذلك نتيجة تدفق آلاف الطلاب الذين يدرسون في الجامعات الحكومية والخاصة القريبة من المنطقة ما أدى إلى ارتفاع الطلب على السكن الجامعي أضف إلى تراجع طاقة إيواء السكن الجامعي الحكومي ويقدر إياد عدد الطلاب الجامعيين المقيمين في حي أريانة الصغرى بنحو 20 ألف طالب جلهم عانوا كثيرا قبل العثور على سكن بسعر مقبول إياد الطالب القادم من مدينة قفصة جنوب غربي تونس انتهت معاناته بخضوعه لقانون سوق الإيجارات بعد أن اتفق مع صاحب شقة لا تتجاوز مساحتها 80 مترا مربعا على قيمة إيجار شهري تبلغ 1 200 دينار نحو 415 دولارا مع دفع مبلغ تأمين إضافي يقدر بـ2 400 دينار نحو 830 دولارا على أن يتقاسم المبلغ الأخير مع ثلاثة من زملائه ومع بداية كل سنة جامعية جديدة في تونس يجد آلاف الطلاب أنفسهم بمواجهة موجات الغلاء القياسية في إيجارات السكن الطلابي سواء في المنشآت الجامعية الخاصة أو الشقق السكنية وعادة ما تبدأ رحلة البحث عن السكن الجامعي في منتصف أغسطس آب حيث يستعين الطلاب بصفحات ومجموعات نشرت عروض الإيجارات وأيضا بوسطاء يساعدونهم في الحصول على فرص سكن بمقابل مادي لا يتجاوز 400 دينار أقل من 150 دولارا ويعد المرور عبر الوسطاء أو ما يعرف محليا بـالسماسرة أمرا حتميا للطلاب الباحثين عن سكن حيث يتحكم هؤلاء بعروض الإيجار من خلال شبكة علاقات مع حراس الإقامات السكنية الذين يزودونهم بمعلومات عن الشقق الشاغرة مقابل تقاسم العمولة وينتقد الكثير من التونسيين ترك الطلاب فريسة لسوق الإيجارات من دون وضع ضوابط قانونية للأسعار وظروف السكن حيث وصل الأمر إلى حد تأجير مجرد سرير بنحو 300 دينار نحو 105 دولارات شهريا ما يعادل ثلث معدل الراتب الشهري للموظف في القطاع الحكومي ويتكبد الطلاب في رحلة البحث عن السكن مصاريف إضافية تشمل ضمانات مالية تمنح لأصحاب الشقق وعمولات يحصل عليها وسطاء أو وكالات عقارية الأمر الذي يدفع بالأسر التونسية إلى المطالبة بقوانين تنظم السكن الطلابي من أجل التحكم بالأسعار بما يتماشى مع قدرة الأسر على الإنفاق وتضع السلطات التونسية مجموعة شروط لتمكين الطلاب من فرصة السكن الجامعي الحكومي من بينها الحصول على القبول من ديوان الخدمات الجامعية والتسجيل في مؤسسة تعليم عال حكومي وألا يقل بعد مقر إقامة الولي أولياء الأمور عن 30 كيلومترا عن مؤسسة التعليم العالي كما تحدد السن الأقصى للطالب بما لا يتجاوز 26 عاما وتشترط شهادة طبية تثبت خلو الطالب من الأمراض المعدية في المقابل لا يتمتع طلاب الجامعات الخاصة بأي فرصة في السكن الجامعي الحكومي ما يكبدهم مصاريف مضاعفة ويجعلهم أكثر عرضة لابتزاز المؤجرين الذين يعتبرونهم أكثر قدرة على الدفع ووفقا للشروط التي تنظم قطاع السكن الطلابي الخاص تتوفر في المدن الجامعية التي يغطيها ديوان الخدمات الجامعية مبيتات خاصة مرخص لها تخضع لمراقبة إدارية وصحية وفنية من قبل مصالح ديوان الخدمات الجامعية ومصالح مراقبة حفظ الصحة حيث يتم اقتطاع قيمة إيجار شهري تتضمن كل مصاريف الاستهلاك من بينها الكهرباء والمياه والتدفئة ولا يمكن مطالبة الطالب بأي مساهمة إضافية تفوق السعر المعتمد ويقول الأمين العام للاتحاد العام لطلبة تونس محمد أولاد محمد إن المنظمات الطلابية تجدد سنويا المطالبة بمنح الطلاب حقهم في السكن الجامعي لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات بدلا من سنة واحدة ويقول لـالعربي الجديد تقدر طاقة الإيواء في الأحياء الجامعية هذه السنة بـ65 ألف سرير مقابل 63 ألف سرير العام الماضي بينما يبلغ عدد الطلاب 216 ألف طالب وبسبب ضعف الطاقة الاستيعابية لن يحصل عدد من الطلاب في ما لا يقل عن ثلاث محافظات على السكن الجامعي هذه السنة بعد أن رفضت طلباتهم رغم استحقاقهم لهذا السكن ويشير أولاد محمد إلى أن دواوين الخدمات الجامعية التي تدرس ملفات السكن الطلابي لم تعد تلتزم بالمعايير التي وضعتها ولا سيما تلك المتعلقة ببعد مقر إقامة الولي عن مؤسسة التعليم العالي ما يضطر الطلاب إلى تكبد مصاريف التنقل اليومي أو تأجير مساكن مشتركة في غياب المواصلات ويؤكد أن محدودية طاقة الإيواء في المبيتات الجامعية مقارنة بعدد الطلاب تتيح للمؤجرين وأصحاب المبيتات الخاصة إمكانية فرض شروطهم وتحويل السكن الطلابي إلى استثمار مربح يدر عليهم أموالا طائلة من دون أي عناء ويأسف الأمين العام للاتحاد العام لطلبة تونس لـتحول الطلاب إلى فريسة في سوق إيجارات جشعة مؤكدا أن لهيب أسعار الإيجارات لم يعد مقتصرا على مدن العاصمة الكبرى التي تتركز فيها معظم الجامعات بل تسرب أيضا نحو المحافظات الداخلية في البلاد ويرى أولاد محمد أنه يجب وضع إطار قانوني للسكن الطلابي يحقق الحد الأدنى المطلوب لضمان حقوق الطلاب في الحصول على سكن بأسعار معقولة كما أنه يؤسس لآلية تراقب أسعار الإيجارات التي تهدد بحرمان محدودي الدخل من متابعة دراستهم الجامعية نتيجة عجزهم حتى عن دفع قيمة إيجار سرير في غرفة مشتركة