في الفضاء الرقمي المعاصر فقدت الصورة صفتها باعتبارها دليلا قاطعا على وقوع الحدث وتراجع الصوت عن كونه شاهدا مؤكدا على صدوره فمع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبح بالإمكان تصنيع مشاهد كاملة تبدو واقعية إلى درجة يصعب معها التفريق بين التوثيق والتلفيق ضمن هذا التحول تناول تقرير نشرته صحيفة ذا غارديان تصاعد إنتاج محتوى رقمي يستند إلى تنميط ذوي البشرة الداكنة في الولايات المتحدة في سياق سياسي وإعلامي متوتر يجد في هذا النوع من المواد وسيلة لتعزيز روايات قائمة وإعادة تدوير صور نمطية تاريخية يضع التقرير هذه الظاهرة في إطار مصطلح البلاك فايس الرقمي Digital Blackface وهو تعبير صيغ أكاديميا في منتصف العقد الأول من الألفية نحو 2006 لوصف تمثيل سواد مصطنع أو مستعار في الفضاء الرقمي أي توظيف ملامح أو لغة أو أساليب تعبير أو صور مرتبطة بذوي البشرة الداكنة من قبل أفراد أو جهات لا تنتمي لهذه الخبرة الثقافية بهدف الترفيه أو التهكم أو اكتساب حضور وتأثير ويستند المصطلح في خلفيته إلى البلاك فايس Blackface التاريخي وهي ممارسة تعود إلى القرن التاسع عشر في عروض Minstrel shows بالولايات المتحدة حيث كان ممثلون يضعون طلاء داكنا على وجوههم لتقديم شخصيات كاريكاتورية عن ذوي البشرة الداكنة في إطار ترفيهي قائم على التنميط والسخرية ومع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي اتسع البلاك فايس الرقمي من مجرد تقليد لغة أو استخدام صور وتعبيرات إلى تصنيع شخصيات ومشاهد كاملة بالصوت والوجه واللهجة ما يجعل التنميط أسرع انتشارا وأكثر إقناعا وأصعب كشفا برزت هذه الموجة مع تداول مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي تظهر نساء من ذوات البشرة الداكنة في مواقف مرتبطة بإساءة استخدام برامج المساعدات الغذائية الحكومية سعى منتجو هذه المقاطع إلى تقديمها بوصفها لقطات عفوية فانتشرت بسرعة قبل أن يتضح أن بعضا منها مولد بالذكاء الاصطناعي وسرعان ما تلقفت منصات إعلامية وشخصيات مؤثرة مقربة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذه المواد وأعادت تداولها باعتبارها توثيقا لواقع اجتماعي ما منحها زخما سياسيا وإعلاميا واسعا ومع إدخالها في هذا السياق تحولت المقاطع من محتوى صمم ليعرض في قالب فكاهي ظاهري يوحي بالعفوية بينما ينطوي على إساءة وتنميط عنصري إلى أداة تستخدم في دعم سرديات سياسية حول الفقر والمساعدات الحكومية لتغدو مثالا على كيفية انتقال المحتوى المصطنع من فضاء التسلية المزعومة إلى قلب صناعة الرسائل السياسية وترسيخ الصور النمطية بوصفها انعكاسا مباشرا للواقع هذا الاستخدام يعيد إحياء تاريخ طويل من التنميط الثقافي في الإعلام الأميركي لكن بأدوات رقمية أكثر تطورا وانتشارا فبدلا من العروض المسرحية أو التلفزيونية التي كانت تقدم صورا كاريكاتورية عن ذوي البشرة الداكنة باتت الخوارزميات قادرة على إنتاج محتوى كامل يحاكي الواقع ويقدم بوصفه توثيقا لحياة يومية ومع سهولة الوصول إلى هذه الأدوات أصبح إنتاج هذا النوع من المواد أقل كلفة وأسهل من حيث الإمكانات ما يوسع نطاقه ويزيد من تأثيره ورغم محاولات بعض شركات التكنولوجيا الحد من انتشار التزييف العميق أو فرض قيود على استخدام صور شخصيات عامة فإن حجم المحتوى المنتج يوميا وسرعة انتشاره يجعلان من الصعب السيطرة عليه بالكامل كما أن إعادة نشر المواد المفبركة عبر منصات إعلامية أو حسابات سياسية مؤثرة يمنحها مصداقية لدى الجمهور حتى بعد كشف زيفها في العالم العربي تتخذ هذه الظاهرة أشكالا مختلفة لكنها تسير في الاتجاه نفسه فقد شهدت السنوات الأخيرة انتشار مقاطع وصور مفبركة لسياسيين وشخصيات عامة أضيفت إليها تصريحات أو مواقف لم تصدر عنهم كما تستخدم تقنيات التوليد الرقمي في إنتاج محتوى يعزز تنميطات عن شعوب أو فئات اجتماعية معينة سواء عبر السخرية أو التشويه أو الربط بسلوكيات سلبية ومع الانتشار السريع لهذه المواد على منصات التواصل تتحول إلى عناصر مؤثرة في تشكيل الرأي العام قبل التحقق من صحتها في بعض السياقات تستخدم هذه الأدوات لتأجيج الانقسامات السياسية أو الاجتماعية عبر إنتاج مقاطع توحي بوقائع مثيرة للجدل أو الغضب وفي سياقات أخرى يجري استهداف ناشطين أو صحافيين بمحتوى مفبرك يهدف إلى تشويه السمعة أو تقويض المصداقية ومع اعتماد قطاعات واسعة من الجمهور على وسائل التواصل الاجتماعي مصدرا رئيسيا للأخبار تزداد قابلية انتشار هذه المواد وتأثيرها تكشف هذه التطورات عن مرحلة جديدة في علاقة التكنولوجيا بالإعلام والسياسة حيث لم يعد الصراع يدور فقط حول تفسير الواقع بل حول إنتاجه رقميا فالذكاء الاصطناعي يمنح القدرة على صياغة سرديات بصرية وصوتية مقنعة يمكن أن تعزز الانحيازات القائمة أو تخلق انطباعات جديدة وبينما تتوسع إمكاناته يتزايد القلق من تحوله إلى أداة لإعادة إنتاج التنميط والتمييز سواء تجاه ذوي البشرة الداكنة في الولايات المتحدة أو تجاه فئات وشعوب مختلفة في العالم العربي بهذا المعنى لا يتعلق الأمر بموجة عابرة من المحتوى المضلل بل بتحول أعمق في بنية المجال العام الرقمي فحين تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في إعادة تدوير تنميطات تاريخية ومنحها هيئة واقعية مقنعة تتغير قواعد النقاش السياسي والإعلامي تتداخل الهوية مع الخوارزمية ويصبح تمثيل الفئات الاجتماعية قابلا للتصنيع وإعادة التوظيف وفقا لأجندات مختلفة وبين الولايات المتحدة والعالم العربي يتكرس نمط متشابه من استثمار التكنولوجيا في ترسيخ سرديات جاهزة أو تأجيج انقسامات قائمة ما يضع المجتمعات أمام اختبار حقيقي يتعلق بكيفية حماية الفضاء العام من تحويل الابتكار الرقمي إلى أداة لإعادة إنتاج التمييز في صيغة أكثر حداثة وانتشارا