ثمة أوهام راسخة زالت عند بعض وما زالت عند بعض آخر كيف ستزول كتب لطفي نعمان

سؤالٌ لا تصعب إجابته قولاً: «بجرعات توعية»؛ إنما تصعب إجابته فعلاً على من صارت أوهامهم عقيدتهم، ومِن ثمّ:
«يصعب تغيير العقائد بعد أن يعيش عليها المرءُ من عمرِهِ دهراً». لا سيما الذي يعتبر أول فكرة وعقيدة تلقاها مطلع الشباب وأول الأحلام بمثابة «الحب الأول» مهما تنقل الفؤاد. كذلك في ظل المحفزات المضادة تكون الفكرة الأولى التي اعتُنِقَت وأول منهج اتُبع بانفعال وحماسة مما لا يبطل سحره ولا يفنى أثره. فلا يتعجب أحد لماذا تتناقل الأجيال مفرداتَ وعقائدَ وأوهامَ «عالمٍ اختفى»... ربما.
ضمن آخر مشاهد فيلم «فندق بوادبست الكبير» ترى مالك الفندق واسمه زيرو مُصطفى الذي يحكي ذكريات عمله الأول «فتى الردهة»، حبه الأول، ومغامرات معلمه مدير الفندق السابق السيد غوستاف، يقف أمام سائله عن سر احتفاظه بفندق متهالك، أهو الارتباط بعالمِ «غوستاف» أيام مجد الفندق، فيجيب عليه: «... إن عالمه اختفى قبل أن يدخله (غوستاف)، لكنه حافظ على الوهم بأناقة».
«الحفاظ على الوهم بأناقة» - وبغير أناقة - غذاءٌ يُقيم صُلبَ وعقل رواد الوهم يتقون به الواقع المغاير، ويقوون على صد كل منطقٍ مضاد منتظمين في معسكرٍ أو محورٍ لا يرتضون له بديلاً ولا يحيدون عنه سبيلاً. وحين تنشب حربٌ يشجعون طرفاً ويسبئون إلى سواه، يباركون كل ثورة ويندبون كل مقاومة لها، مقتدين بزعيم ثوري وقف يوماً أمام ملصق كبير عليه عبارة «ثورة على السفينة بونتي»، ثم أمر مساعديه أن يبعثوا برقية تقول: «نحن نؤيد هذه الثورة»... قبل أن يتبين أن هذا عنوان فيلم سينمائي أميركي!
بخلافِ جنايتهم على أنفسهم، يقترف مسؤولون وزعماء جماعات وأحزاب وتيارات جنايةً كبرى بحق أتباعهم وقواعدهم وجماهيرهم إذ يلهونهم بالشعارات عن مهامٍ أساسية. كذا عن مشاركتهم حقَّ الإلمام بمتغيرات اللحظة وتطورات يدركها ويواكبها القادة دون تراجع عن مواقفهم السابقة علناً خشية غضبة القواعد؛ إنما يظلون يُضلِلون جماهيرهم وكل من يتابعهم، لا يُعلِنون لهم ما قد بلغوا من تحولاتٍ رؤيوية في مستوى القيادة والتفاهمات الخارجية، فتتشكل فجوة الرؤى بين القيادة والقاعدة.
عن عمق فجوةِ تلك الرؤى
ارسال الخبر الى: