أميركا والطائفية لعبة الهيمنة بين السنة والشيعة

143 مشاهدة
من يتتبع مسار السياسة الأميركية في الشرق الأوسط يكتشف سريعا أن واشنطن لم تحدد يوما موقفها من المنطقة على أساس عقائدي أو أيديولوجي صاف بقدر ما اعتمدت على إدارة التناقضات وتوظيف الهويات الدينية والمذهبية والقومية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية الكبرى فقد استغلت الولايات المتحدة الخلل في بنى القواعد الطائفية والدينية والاجتماعية في المنطقة العربية عبر التعاون المشروط ومد جسور النفوذ تحت ذريعة المصالح المتبادلة فكانت تارة جهادية وأخرى سنية وثالثة شيعية وأخيرا محسوبة على الملة والجماعة وكل ذلك بما يضمن استمرار نفوذها تعود بداية اللعبة إلى ثمانينيات القرن الماضي حين شجعت الولايات المتحدة بتنسيق مع دول عربية وإسلامية على تعبئة الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي فتحت الحدود وسهلت حركة المجاهدين العرب ودعمت التنظيمات الدينية المسلحة بالمال والسلاح والغطاء السياسي ومن رحم تلك التجربة خرج تنظيم القاعدة الذي تحول لاحقا إلى ذريعة لتشكيل تحالفات دولية تحت شعار الحرب على الإرهاب رغم أن البذرة وضعت برعاية أميركية وغربية وعربية مشتركة وما جرى لاحقا مع داعش في العراق وسورية لم يكن بعيدا عن هذا السياق صناعة كيانات مسلحة ذات طابع ديني طائفي ثم توظيفها في لعبة توازنات كبرى بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 أعادت واشنطن رسم معادلة السلطة على أسس طائفية فدعمت القوى الشيعية في الحكم وأقصت المكون السني التقليدي بحجة محاربة السلفية الجهادية وتنظيم القاعدة كان ذلك التحول التاريخي انقلابا على قرن كامل من التوازنات التي حكمت المشرق العربي وأدى إلى تصاعد النفوذ الإيراني في بغداد وهو ما عاد ليقلق واشنطن في ما بعد بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 أعادت واشنطن رسم معادلة السلطة على أسس طائفية فدعمت القوى الشيعية في الحكم وأقصت المكون السني كما لم تتردد الولايات المتحدة في محاربة التيارات السنية السياسية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين خصوصا بعد هجمات 11 سبتمبر أيلول 2001 حيث صور الإسلام السياسي السني كتهديد للأمن العالمي غير أنه مع اندلاع الثورات العربية عام 2011 وجدت واشنطن نفسها مضطرة لإعادة الانفتاح على بعض الحركات الإسلامية بل وغضت الطرف عن وصول الإخوان إلى الحكم في مصر لفترة قصيرة قبل أن تعود وتدعم إقصاءهم ومع تفاقم الأزمة السورية وتدخل قوى خارجية منذ 2012 وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معادلة جديدة مواجهة تمدد إيران وحزب الله في سورية وهنا فتحت قنوات دعم غير مباشرة لبعض الفصائل السلفية والجهادية بما فيها جبهة النصرة سابقا عبر وسطاء إقليميين بهدف تقويض نفوذ طهران في المشرق وإضعاف ذراعها اللبناني حتى وإن كان الثمن التحالف مع جماعات مصنفة أميركيا وغربيا على أنها إرهابية ومع سقوط النظام في دمشق دخلت واشنطن مرحلة جديدة من التناقض أعادت الانفتاح على سورية بتركيبتها السنية الأنصارية وقدمتها ضمن تحالفات الضرورة كـعدو محتمل لمواجهة إيران وحزب الله وفي الوقت ذاته دعمت حقوق الأقليات السورية خاصة الدروز والأكراد تحت ذريعة حماية المكونات الاجتماعية والدينية وباتت هذه الأقليات في كثير من الأحيان حليفة للاحتلال الإسرائيلي ضد وطنها الأم وكأن الولايات المتحدة تقول لسورية الجديدة ولجميع العرب كنا شيعة عند احتلال العراق وأفغانستان واليوم نحن سنة بل ومن الملة والجماعة من أجل القضاء على حزب الله وإيران كأن الولايات المتحدة تقول لسورية الجديدة ولجميع العرب كنا شيعة عند احتلال العراق وأفغانستان واليوم نحن سنة لم تكتف واشنطن بإعادة تشكيل التحالفات على أسس مذهبية بل ساهمت أيضا في تقويض مفهوم الأمن القومي العربي الذي كان يقوم نظريا على حماية الأمة من أي تهديد خارجي وفي مقدمته الاحتلال الإسرائيلي فمنذ مطلع الثمانينيات ثورة الخميني غزو أفغانستان الحرب العراقية الإيرانية تسلل العامل الطائفي إلى قلب المعادلات السياسية فتحول الأمن القومي إلى أمن مذهبي في لبنان أصبح الأمن الوطني أسيرا لمعادلة شيعة سنة مسيحيين بدل أن يكون موجها ضد إسرائيل وتحولت سورية من دولة مواجهة إلى ساحة صراع مذهبي وعرقي ودولي مفتوح واليمن من مشروع دولة إلى حرب استنزاف طائفية والعراق من مركز حضاري عربي إلى ساحة انقسام بين نفوذ شيعي مدعوم من إيران وتهميش للمكون السني وبذلك صارت كل دولة عربية ترى في مكونها الطائفي تهديدا داخليا أو سندا خارجيا بدل أن ترى في إسرائيل مصدر الخطر المركزي بينما انشغلت العواصم العربية بصراعات داخلية مذهبية وعرقية تمدد النفوذ الإسرائيلي في قلب المنطقة ودولها وأصبح كيان الاحتلال وشريكه الأميركي اللاعبين الأكثر أمانا واستقرارا فيما تغرق الدول العربية في صراعاتها الطائفية التي لا تنتهي الخط البياني للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط يكشف بوضوح كيف استخدمت الهوية الدينية لتكريس النزاع والانقسام فكانت التحالفات الطائفية تتغير بتغير المصالح لتبقى شعوب المنطقة الخاسر الأكبر من هذا الاستثمار القذر في الانقسام بينما تحصد واشنطن وتل أبيب المكاسب من لعبة هندسة الطوائف والملل التي أنهكت الأمن القومي العربي وحولته إلى أمن طائفي هش يبقي الباب مفتوحا أمام استمرار استراتيجية الهيمنة الصهيوأميركية على مقدرات الأمة

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح