ألكسندر أليخين بين رقعة الشطرنج وساحات الحرب
في لحظاتٍ كثيرة من تاريخ الرياضة، لم تكن المنافسات مجرد تنافسٍ على الألقاب، بل امتداداً خفياً لصراعاتٍ أكبر تتجاوز حدود الملاعب. وإذا كانت الحلقة الأولى قد أخذتنا إلى عالم الملاكمة وقصة جو لويس وماكس شميلينغ في أواخر الثلاثينيات، حيث اختلطت اللكمات بالأيديولوجيا، فإن هذه الحكاية تنقلنا إلى ساحةٍ أكثر هدوءاً وعمقاً، لكنها تدور في الفلك نفسه؛ فبين الأبيض والأسود، وعلى رقعةٍ لا تتجاوز مربعاتها الأربعة والستين، تبدأ رحلتنا مع ألكسندر أليخين (1892-1946)، الذي وجد نفسه أسيراً في ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى، قبل أن يُفرج عنه ويعود إلى حياته ورياضته، في مشوارٍ سيقوده لاحقاً إلى قمة المجد، وإلى قلب جدلٍ استمرّ لسنوات، مع تقاطع تجربته مع أحداث الحرب العالمية الثانية، حيث تتداخل العبقرية مع السياسة، لتبقى الأسئلة مفتوحة بلا إجاباتٍ حاسمة.
أبصر أليخين النور في العاصمة الروسية موسكو لعائلة ثرية، حيث كان والده ألكسندر إيفانوفيتش أليخين مالكاً للأراضي وعضواً في المجلس الخاص لمجلس الدوما الرابع المحافظ، وكذلك كانت والدته أنيسيا ابنة رجل أعمال ثري، ومن خلالها تعلّق بالشطرنج بعدما مارسها شقيقه الأكبر أليكسي وشقيقته فارفارا، ليغدو لاحقاً من بين أبرز الأسماء في هذه اللعبة، حين فاز بمعظم البطولات التي شارك فيها، ومنها انتصاره بلقب للعالم عام 1927 بتغلبه على خوسيه راؤول كابابلانكا.
نترك الشق الرياضي البحت لنعود إلى عالم أليخين الآخر؛ فالرجل الذي عُرف بأسلوبه الهجومي الشرس والمبتكر في الشطرنج، عاش لحظات غير متوقعة في عام 1914، حين كان متصدراً لبطولة مانهايم الدولية في ألمانيا، لكن حظه العاثر تزامن مع اندلاع الحرب العالمية الأولى؛ إذ اعتُقل 11 لاعباً روسياً، وفي سبتمبر/ أيلول من عام 1914، أُطلق سراح أربعة منهم: أليخين، وفيدور بوغاتيرتشوك، وبيوتر سابوروف، وكوبلمان، وسُمح لهم بالعودة إلى ديارهم بحسب أبحاث المؤرخين ليونارد سكينر وإيغبرت ميسينبورغ. في حين يذكر ألكسندر كوتوف في كتابه البيوغرافي عن أليخين أنه استعمل الخديعة للنجاة، حيث تظاهر بالجنون (أو المرض النفسي) ليقنع الأطباء الألمان بأنه غير صالح للقتال، مما أدى لصدور قرار بترحيله
ارسال الخبر الى: