كيف أسقط الوعي اليمني معادلة التجويع والارتهان

تتجاوز الصراعات الكبرى في تاريخ الشعوب الحرة حدود المواجهات العسكرية المباشرة لتبلغ عمق المعركة الثقافية والفكرية التي تستهدف النواة الصلبة للأمم؛ والمتمثلة في هويتها، ووعي أبنائها، وتمسكها بقيم الحرية والاستقلال. وفي هذا السياق، يقدم المشهد اليمني نموذجاً استثنائياً في إدارة صراع مصيري يخوضه الشعب ضد التحديات الناجمة عن العدوان والحصار الممتدين لسنوات من قبل التحالف السعودي والإماراتي والأمريكي. ويكشف التدقيق العميق في مسار التحولات الميدانية والسياسية أن ما تعرض له اليمن تجاوز استهداف البنية التحتية أو المقدرات الاقتصادية، ليشكل محاولة ممنهجة لإحداث تجريف فكري ومعنوي يهدف إلى إفراغ المجتمع من ثوابته الوطنية والدينية، وتجريده من عوامل قوته الذاتية، ليصبح في حالة من التبعية والانكشاف المباشر أمام المشاريع الأجنبية.
لقد ارتكزت استراتيجيات الحرب الحديثة في اليمن على استخدام الأزمات المعيشية كأداة ضغط سياسي واجتماعي، من خلال فرض معادلة تخييرية بين القبول بالحصار والفقر، أو الانخراط في أجندات القوى الخارجية وتسهيل مهامها. هذه المعادلة التي اعتمدت السياسات العقابية الشاملة وسيلة لإخضاع المجتمع، راهنت على أن الضغط الاقتصادي المتواصل وتدهور الخدمات كفيلان بإيصال الشارع إلى حالة من اليأس وتفضيل المكاسب المادية المباشرة على حساب السيادة الوطنية. غير أن الواقع أثبت أن الراهن على انكسار الشعوب ذات الامتداد الحضاري والفكري العميق غالباً ما يفشل أمام قدرة المجتمعات على استدعاء مخزونها القيم الأخلاقي، حيث تحول الحصار والتجويع من أداة لإحداث الانقسام الداخلي إلى دافع لإعادة الاكتفاء الذاتي وتعزيز خيارات الصمود.
فما يمارسه أدعياء العدوان من حصار وتجويع يهدف في جوهره إلى إركاع الشعب اليمني وفرض خيار مشروط مفاده: إما الارتهان والخضوع للهيمنة الخارجية والقبول بالعمالة لكسب القوت، وإما العيش تحت وطأة الفقر والجوع والحصار. وهو الخيار الذي رفضه الشعب اليمني جملة وتفصيلاً، مفضلاً طريق الجهاد والمواجهة واستعادة حقوقه المسلوبة بذاته. وتجلى هذا الخيار الاستراتيجي في القرارات الصارمة التي أعلنتها القوات المسلحة اليمنية بفرض حظر على الملاحة البحرية المرتبطة بقوى العدوان والجهات الداعمة لها، كخطوة ضاغطة لرفع الحصار الشامل وفك الخناق عن مطار صنعاء الدولي والموانئ
ارسال الخبر الى: