رزق على أرصفة غزة صغار الباعة في مواجهة انهيار الدخل
60 مشاهدة
في شوارع غزة وأسواقها الشعبية لم تعد البسطات مجرد مساحات لعرض السلع بل تحولت إلى ملاذ أخير لآلاف العائلات التي دفعتها الظروف الاقتصادية القاسية إلى الاحتماء بالأرصفة بحثا عن لقمة العيش بعد أن هدأت الحرب تقاس الأيام بعدد الزبائن لا بعدد الساعات في أسواق تحاول استعادة أنفاسها وسط واقع اقتصادي قاس ولم يكن العمل في الأسواق خيارا مفضلا لكثير من صغار الباعة بل جاء نتيجة انسداد الأفق الاقتصادي وتوقف مؤسسات التعليم وتعطل الوظائف الحكومية والخاصة في ظل حرب أعادت تشكيل سوق العمل ودفعت بالكفاءات إلى مهن لم تكن ضمن حساباتها يوما ووسط هذا المشهد يقف الباعة الصغار حلقة أضعف في سلسلة اقتصادية منهكة يواجهون تقلبات الأسعار وشح السيولة النقدية وغياب الفكة صعوبات يومية بجانب بضاعته التي يضطر يوميا إلى نقلها من مكان إلى آخر يقف بائع البهارات في سوق البريج وسط القطاع علي عبد المنعم بحثا عن بقعة صغيرة لا تعترضها حركة السير ولا تلاحقه فيها قرارات الإزالة ويقول عبد المنعم لـالعربي الجديد أكبر مشكلة أواجهها أنني لا أملك مكانا ثابتا اليوم أبيع هنا وغدا أجبر على الرحيل ويشرح عبد المنعم أن تقلبات الأسعار أصبحت كابوسا يوميا فالأسعار ترتفع من دون إنذار وتنخفض من دون تعويض بينما يقف الزبون عاجزا عن الشراء ويضيف حتى لو وجد الزبون تصطدم عملية البيع بأزمة الفكة والعملة المهترئة وأوراق نقدية لا تكاد تقبل وأخرى لا تجد من يصرفها ولم يكن البائع عبد المنعم يتخيل يوما أن ينتهي به المطاف بائعا في السوق فهو خريج لغة إنجليزية وكان يعمل بنظام العقد في إحدى المؤسسات التعليمية إلا أن توقف التعليم وتعطل المؤسسات التعليمية حرماه من مصدر دخله الوحيد ويقول بأسى لم أترك التعليم برغبتي لكن لقمة العيش لا تنتظر والسوق بات الخيار الوحيد وفي منطقة مشروع بيت لاهيا شمال غزة يقف البائع سعيد الزعانين أمام بسطة لبيع حاجيات الأطفال في وقت بات المكان مكشوفا والخطر حاضرا في كل لحظة ويقول الزعانين لـالعربي الجديد الوضع الميداني سيئ جدا وإطلاق نار وقذائف مدفعية بين وقت وآخر لكننا مضطرون إلى البقاء رحلة شاقة ولا تقتصر معاناة الزعانين على المخاطر الأمنية بل تمتد إلى صعوبة الحركة والتنقل فهو يقطع مسافات طويلة للوصول إلى تجار الجملة في مدينة غزة في رحلة شاقة تستنزف الوقت والجهد والمال يضيف الزعانين الوصول إلى البضاعة صار رحلة بحد ذاتها وكغيره من الباعة يعاني الزعانين أزمة الفكة والعملة المهترئة ما يعيق الكثير من عمليات البيع اليومية ويقول كثير من الزبائن يغادرون لأننا لا نملك فكة أو لأن العملة غير مقبولة وهذا يعني عدم إتمام عملية البيع وفي سوق دير البلح يقف بائع المكسرات صبحي زيادة خلف بسطته الصغيرة وهي سلعة كانت يوما ما مطلوبة لكنها اليوم تعد من الكماليات في ظل الأوضاع الاقتصادية السيئة ويقول زيادة لـالعربي الجديد العمل بعد الحرب أصبح أصعب بكثير المشكلة الأبرز هي عدم ثبات الأسعار ترتفع وتنخفض بشكل حاد هذا التذبذب في الأسعار يكبد البائع زيادة خسائر كبيرة خاصة عندما يشتري البضاعة بسعر مرتفع ثم يجبر على بيعها بسعر أقل بسبب ضعف القدرة الشرائية أو إدخال كميات إضافية موضحا نخسر أحيانا دون أن نبيع شيئا فقط بسبب تغير السعر وكان البائع زيادة يعمل إداريا في إحدى الجامعات بمدينة غزة لكن توقف العمل الأكاديمي وتدمير الجامعات والاعتماد على التعليم عن بعد جعله بلا دخل يقول وجدت نفسي فجأة عاطلا والسوق كان الخيار الوحيد للبقاء سوق العمل في غزة بدوره يرى المختص في الشأن الاقتصادي نسيم أبو جامع أن ما تشهده أسواق غزة يعكس انهيارا شبه كامل في سوق العمل حيث تجاوزت معدلات الفقر 90 فيما تقترب نسب البطالة من 80 وهي أرقام غير مسبوقة في تاريخ القطاع وفي معرض إجابته عن سوق العمل وصغار الباعة خلال فترة الحرب وما بعدها يقول أبو جامع في حديث لـالعربي الجديد إن الحرب أدت إلى تغيرات هيكلية عميقة في سوق العمل دفعت آلاف الموظفين والأكاديميين وأصحاب المهن المتخصصة إلى ترك وظائفهم الأصلية والاتجاه نحو العمل الهش مثل البيع على البسطات أو العمل اليومي غير المستقر ويشير إلى أن انخفاض الدخل بشكل حاد وضعف القدرة الشرائية جعلا الأسواق تعاني ركودا حادا انعكس مباشرة على صغار الباعة الذين يعتمدون على حركة البيع اليومية لتأمين احتياجاتهم الأساسية ويحذر المختص من أن استمرار هذه الظروف من دون تدخلات اقتصادية أو إنسانية حقيقية سيعمق من دائرة الفقر ويرسخ واقعا اقتصاديا هشا تصبح فيه البسطات رمزا لاقتصاد الصمود لا للنمو أو الاستقرار