في أحشائها الدر

57 مشاهدة

علاقتي مع اللغة تطورت في السنوات الأربعين الأخيرة، أو تباينت واختلفت، من النظر إلى اللغة بوصفها أداة، عليها أن تؤدي مهمة التوصيل، إلى اعتبارها رفيقاً موازياً لكل ما تحتاجه الرواية. بل إن هذه العلاقة تغيرت بتغير النظرة إلى الرواية، هل الرواية حدث؟ هل هي شخصيات؟ هل الرواية فكرة أو مجموعة من الأفكار التي يريد الكاتب أن تصل إلى القراء. أم أن الرواية مستودع يمكن أن يمتلئ بهذه الكتلة اللغوية التي تقول شيئاً ما عن قيم الشرف والحب والصداقة والشك وغيرها؟

في البداية كان الهم الأول هو استخدام اللغة، تسخيرها للقيام بمهام إيصال المعنى، أو إيصال محتوى القيمة التي أرغب في توصيلها للقارئ، أعتقد أن السياسة كانت تقود الكتابة الأدبية، وكانت تقول إن القيمة هي التي يجب أن نفكر فيها، ولهذا لا يحتاج الكاتب إلا لقاموس متواضع من المفردات والتراكيب والجمل. تنشأ لغة ميتة، تدعي أنها تريد أن تحمل قيماً كبرى. النضال والمقاومة والدفاع عن المقهورين ومقارعة القمع، لغة مباشرة تحاول أن تبتعد عن البلاغة، كانت الاستعارة ملعونة تقريباً، لأنها تخفي الحقيقة، كانت التورية جبناً، التشبيه محاولة للالتفاف على الموضوع. الكناية بدورها مجرد لعب على المفردات يخفي تردداً أو عجزاً عن قول ما تريد قوله. يجب أن تكون مباشراً، ذاهباً نحو الهدف، دون أي مراوغة.

في الرواية والقصة والشعر والمسرح لا يحتاج الكاتب لقاموس عصري

أحد الأصدقاء شرح لي ذات يوم أسباب خلافه مع متعهد تركيب شبكة الكهرباء في بيته، كان مضمون الخلاف يتركز على مفهوم الجودة، ومعنى التوصيل، فكرة تعتمد على العلم وحده، ولكنها تحمل رمزية قوية حين نقارنها بأي حقل آخر، فالمعلم اشترى أكبالاً غالية الثمن، بينما صاحب المنزل أراد أكبالاً أخرى أرخص وأقل كلفة، قال: كلها أكبال للتوصيل. قال المعلم إن التيار سوف يصل أكثر قوة ونضارة واكتمالاً، وإن الضوء نفسه سيكون مختلفاً، وكذلك عمر المصابيح.
ليست اللغة إذاً مجرد موصل، وحتى إذا قبلنا بذلك فإن المصابيح سوف تختلف من نص إلى آخر بحسب طبيعة اللغة التي نكتبها،

ارسال الخبر الى:

ورد هذا الخبر في موقع العربي الجديد لقراءة تفاصيل الخبر من مصدرة اضغط هنا

اخر اخبار اليمن مباشر من أهم المصادر الاخبارية تجدونها على الرابط اخبار اليمن الان

© 2016- 2026 يمن فايب | تصميم سعد باصالح