أبواق السلطة وتهمة الخيانة المفبركة

يمنات
عبد الله التميمي
في المشهد السياسي والإعلامي المضطرب، تبرز ظاهرة خطيرة تتكرر في كثير من المجتمعات، تتمثل في تحوّل بعض المنابر الإعلامية من مؤسسات يُفترض أن تكون حارسة للحقيقة إلى أدوات لتوجيه الرأي العام وفق مصالح مراكز النفوذ والقوة. وحين يحدث ذلك، لا يعود الهدف كشف الحقائق أو خدمة المصلحة العامة، بل صناعة رواية واحدة وإقصاء كل من يجرؤ على مساءلتها أو نقدها.
في هذا السياق، تصبح تهمة “الخيانة” من أكثر الأسلحة استخدامًا في مواجهة الأصوات المستقلة والمعارضة. فبدلاً من الرد بالحجج والأدلة أو مناقشة الوقائع بموضوعية، يجري اللجوء إلى التخوين والتشويه، حيث يُصوَّر كل ناقد على أنه متآمر، وكل صاحب رأي مختلف على أنه خصم للوطن أو تهديد للاستقرار. وهكذا تتحول التهمة من توصيف قانوني يستند إلى أدلة إلى أداة سياسية وإعلامية لإسكات الخصوم وإرهابهم.
لقد أثبتت التجارب أن القوى التي تخشى النقد تسعى إلى صناعة بيئة إعلامية خاضعة تعيد إنتاج خطابها وتبرر سياساتها، بينما يُكافأ الولاء ويُحارب الرأي الحر. وفي مثل هذه البيئة يتعرض أصحاب المواقف المستقلة لحملات منظمة من التشويه والتخوين لمجرد أنهم يطرحون أسئلة مشروعة أو يكشفون مواطن الخلل.
ولا تقتصر هذه الحملات على الإعلام التقليدي، بل تمتد إلى وسائل التواصل الاجتماعي عبر لجان إلكترونية تعمل على اجتزاء التصريحات ونشر معلومات غير موثقة وتحويل الخلاف السياسي إلى اتهامات وطنية وأخلاقية، بهدف صناعة رأي عام معبأ ضد كل صوت مستقل.
وفي كثير من الحالات، لا يكون التصعيد ضد الشرفاء إلا هروبًا من استحقاقات وطنية مؤجلة. فعندما تتراكم الأزمات السياسية والاقتصادية ويتسع الفساد والفشل الإداري، يُصنع الخصوم وتُدار المعارك الإعلامية لصرف الأنظار عن جوهر المشكلة، بينما تُحتكر مؤسسات الدولة ومراكز القرار والمال العام لصالح فئات ضيقة على حساب الشراكة الوطنية.
إن أخطر ما في تهمة الخيانة المفبركة أنها لا تستهدف الأفراد فقط، بل تضرب أسس الحياة العامة، إذ يتراجع النقاش الحر وتضيق مساحة المشاركة السياسية، ويخشى الناس التعبير عن آرائهم. ومع الوقت تُفرغ التهمة من معناها الحقيقي
ارسال الخبر الى: