عاش اقتصاد تونس خلال اليومين الماضيين على وقع الإضراب العام في القطاع المالي الذي تسبب في شلل تام في المعاملات المصرفية والمالية وخدمات التأمين رغم توصيات البنك المركزي بالحد من آثار الإضراب وخلال يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين لم يتمكن المواطنون والمتعاملون الاقتصاديون من إجراء أي عمليات بنكية أو مالية أو تحويلات أو فتح اعتمادات مستندية لاستيراد سلع من الخارج بعد أن أوصدت أغلب الفروع المصرفية أبوابها وتعطلت خدمات السحب والإيداع والمقاصة والتحويلات الخارجية لتستأنف بداية من اليوم الأربعاء وخاض القطاع المالي في تونس إضرابا عاما احتجاجا على تعثر المفاوضات الاجتماعية بين النقابات والمجلس البنكي والمالي الذي رفض الجلوس إلى طاولة الحوار وإرجاء قرار تعديل الرواتب للعام القادم متاعب كبيرة للشارع وبسبب تعطل الخدمات المالية والمصرفية وشح السيولة النقدية في الصرافات انتقد تونسيون بشدة إضراب البنوك والمؤسسات المالية معتبرين أن هذا الإضراب القطاعي أثر على أنشطتهم المالية والتجارية لكن في المقابل هناك من دعم الإضراب واصفا إياه بأنه حق مشروع لنيل المطالب العمالية ومنها الحق في أجور ورواتب وتأمينات عادلة وظروف عمل مواتية وقال المواطن خالد منيف في تصريح لـالعربي الجديد إنه اضطر للتنقل لمسافات طويلة بحثا عن السيولة في الصرافات غير أن أغلبها كان خارج الخدمة بسبب نفاد السيولة في ظرف وجيز ولا سيما أن الإضراب العام نفذ مباشرة بعد عطلة نهاية الأسبوع ما تسبب في استمرار تعطل الخدمات المالية لأربعة أيام متتالية وأكد أن أغلب المواطنين لم يتمكنوا من إجراء أي عمليات مالية بسبب غلق الفروع البنكية أبوابها أو تعطل الخدمات الأساسية مشيرا إلى أن فترة الإضراب تزامنت مع موعد تنزيل مرتبات الموظفين ما تسبب في منعهم من سحب مستحقاتهم المالية وقالت وكيلة لسوبر ماركت في حي النصر بالعاصمة تونس وفاء ذويب إنها اضطرت لتجميع السيولة وتخزينها بطرق تقليدية في انتظار إيداعها لدى الفرع البنكي الذي تتعامل معه بعد انقضاء فترة الإضراب متوقعة تواصل ارتباك العمليات المالية لكامل الأسبوع بسبب انقطاعها ليومين إضراب ثان وتلوح الجامعة العامة للبنوك والمؤسسات المالية بالمضي في إضراب عام ثان نهاية شهر ديسمبر كانون الأول وذلك تزامنا مع غلق السنة المحاسبية وأعمال التدقيق والمحاسبة والجرد التي تجريها المؤسسات المالية سنويا واعتبر التونسيون المنتقدون لإضراب البنوك أن موظفي القطاع المالي يحصلون على امتيازات مالية مهمة كان يفترض الاكتفاء بها وعدم اللجوء إلى الإضراب في المقابل أعلنت جامعة البنوك والمؤسسات المالية المنضوية تحت الاتحاد العام التونسي للشغل نجاح إضرابها الذي استجاب له أكثر من 80 من العاملين في القطاع مؤكدة أنها كانت على استعداد لوقف التحركات الاحتجاجية والعودة إلى العمل في حال دعوتها للعودة إلى الحوار وحمل كاتب عام جامعة البنوك والمؤسسات المالية أحمد الجزيري المجلس المالي والبنكي مسؤولية الإضراب مشيرا إلى أن النقابات دفعت إلى التصعيد بسبب غلق أبواب الحوار كافة أمام الجامعة ومحاولة ضرب العمل النقابي داخل المؤسسات ودافع الجزيري في تصريح لـالعربي الجديد عن وجاهة أسباب الدعوة للإضراب العام مشيرا إلى أن الجامعة حاولت في مناسبات عديدة تجنب التصعيد لكنها ووجهت بسياسة التجاهل والصمت وقال إن موظفي القطاع المالي يتحملون كغيرهم من التونسيين تداعيات التضخم وغلاء المعيشة ما يحمل النقابات مسؤولية الدفاع عن القدرة الشرائية لمنظوريها ووفق العرف الذي يجري به العمل في القطاع المالي توقع الجامعة العامة للبنوك والمؤسسات المالية كل ثلاث سنوات اتفاقا مع المجلس المالي والبنكي يفضي إلى صرف زيادات سنوية في رواتب الموظفين يجري احتسابها وفق قاعدة نسبة التضخم وارتفاع كتلة أجور القطاع ووفق كاتب عام جامعة البنوك رفض المجلس المالي والبنكي منذ بداية العام الحالي فتح المفاوضات مع النقابات وصرف الزيادات ما حرم موظفي القطاع من تعديل الرواتب بعنوان سنة 2025 24 ألف موظف يشغل القطاع المالي أكثر من 24 ألف موظف بنسبة تأطير تصل إلى 70 وفق بيانات للجامعة العامة للبنوك والمؤسسات المالية وتعد أجور العاملين في القطاع المالي في تونس من بين الأجور الأعلى مقارنة بمعدل رواتب باقي الموظفين في القطاعين الخاص والحكومي ويقدر متوسط الأجر للموظفين في القطاع المالي ما بين 800 و1600 دولار مقابل متوسط أجر بـ 485 دولارا لموظفي القطاع الحكومي وتتجه سلطات تونس إلى صرف زيادات في رواتب موظفي القطاعين الحكومي والخاص خلال السنوات الثلاث القادمة دون إجراء مفاوضات مع النقابات العمالية وذلك لأول مرة منذ سبعينيات القرن الماضي وضمنت الحكومة ضمن مشروع قانون الموازنة الذي ناقشه البرلمان بندا يتعلق بالزيادات في المرتبات وجرايات رواتب المتقاعدين لسنوات 2026 و2027 و2028 سيجري ضبط قيمتها وفق أمر حكومي يصدر بعد المصادقة على قانون الموازنة ودخوله حيز النفاذ مفتتح العام القادم وكشف البند المتعلق بزيادة الرواتب في القطاعين الحكومي والخاص أن السلطات تنوي احتكار قرار رفع الرواتب دون إبرام اتفاق مع الاتحاد العام التونسي للشغل على غرار جولات المفاوضات الاجتماعية السابقة تحجيم الدور الاجتماعي يعد التوجه نحو إلغاء المفاوضات الاجتماعية وتفرد السلطة بقرار زيادة الرواتب فصلا جديدا من تحجيم الدور الاجتماعي للنقابات التي انتقدت بدورها محاولات السلطة إلغاء الحوار الاجتماعي وفرض القرارات الأحادية وأعلن المجلس المالي والبنكي التزامه بالزيادة في رواتب موظفي القطاع المالي بعنوان عام 2026 تطبيقا لبنود قانون الموازنة الجديد ورجح الخبير الاقتصادي رضا الشكندالي أن يكون المجلس المالي والبنكي قد التزم بالسياسات العامة للدولة التي تتجه لإلغاء المفاوضات الاجتماعية مع النقابات والمرور مباشرة إلى زيادة الرواتب وقال الشكندالي في تصريح لـالعربي الجديد إن إضراب المؤسسات المالية لمدة يومين أربك المعاملات الاقتصادية والتجارية نظرا لأهمية القطاع وحساسيته وأشار إلى أن القطاع المالي يستأثر بـ 5 من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد كما يؤثر توقف خدماته على كل الأنشطة التجارية والاقتصادية مشيرا إلى صعوبة حصر الخسائر الناجمة عن الإضراب بدأت نذر الإضراب في القطاع الخاص منذ أشهر بسبب تعثر المفاوضات في القطاع الخاص وعدم تمكن اتحاد الشغل واتحاد الصناعة والتجارة من توقيع اتفاق يفضي إلى زيادة أجور 1 5 مليون عامل بعنوان سنة 2025 وعلى امتداد السنة الجارية طالبت المركزية النقابية باستئناف الحوار الاجتماعي بين النقابات وهياكل الدولة في إطار العقد الاجتماعي الذي يربط الطرفين والذي دأبت السلطات السابقة على اعتماده ومنذ توقيع اتفاق الزيادة في أجور الموظفين في سبتمبر أيلول 2022 أوصدت الحكومة باب المطالب أمام النقابات كما جرى تعليق تنفيذ اتفاقيات ذات مفعول مالي توصلت الحكومة التونسية حينها إلى اتفاق مع الاتحاد العام للشغل لزيادة أجور القطاع العام بواقع 3 5 يغطي سنوات 2023 و2024 و2025 بينما حصل موظفو القطاع المالي على زيادة بنسبة 7 03 شملت سنوات 2022 و2023 و2024 آثار التضخم بسبب آثار التضخم يشكو أغلب التونسيين من تراجع وانهيار قدراتهم الشرائية كما يرهق التداين أكثر من 34 من الأسر التي تعتمد على الاقتراض لتسيير نفقاتها ولا يبدي التونسيون رضا على علاقتهم بالقطاع المالي والجهاز المصرفي نتيجة ارتفاع كلفة الخدمات البنكية وأسعار الفائدة الموظفة على القروض حسب مواطنين لـالعربي الجديد وعام 2024 أظهرت بيانات نشرها البنك الدولي أن 37 من التونسيين فقط يملكون حسابات في مؤسسات مالية في حين تناهز النسبة 29 للنساء و32 لدى الأشخاص محدودي الدخل وكشفت المعطيات أن الفجوة العمرية على مستوى ملكية الحسابات ليست عالية في تونس وذلك على غرار الأردن والمغرب لكنها لا تزال في خانة العشرات وتشير تقديرات الاستراتيجية الوطنية للتمويل الصغير لتونس إلى أن حوالى 30 إلى 40 من السكان البالغين 2 5 إلى 3 5 ملايين نسمة وأكثر من نصف المؤسسات والمنشآت في تونس 245 ألف إلى 425 ألف شركة مسجلة لا تزال محرومة من خدمات القطاع المالي الرسمي أو لا تحصل على ما ينبغي الحصول عليه من هذه الخدمات وذلك على الرغم من وجود 12 مليون حساب مسجل في البنوك ومكاتب البريد