من ينتصر في معركة النص الكاتبة أم الوزيرة
هل يمكن للثقافة أن تزدهر في تربة تتغذى على السطو؟ هذا السؤال الذي يبدو فلسفياً، بات مطروحاً في الوسط الثقافي المصري بعد عامين من تفجر أزمة ملكية فكرية طالت وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي. فقد اتهمت الكاتبة سهير عبد الحميد الوزيرة بأن كتابها كوكو شانيل وقوت القلوب استنسخ فقرات كاملة من سيدة القصر: اغتيال قوت القلوب الدمرداشية دون أي إحالة، ما أشعل جدلاً واسعاً حول مفهوم الأمانة العلمية وحدود الاقتباس المشروع، خاصة حين تتعلق القضية بشخصية تتولى حماية الثقافة وإدارة وعي الأمة، كما هو مفترض.
قبل صياغة أي تكييف للاتهام الموجه للوزيرة، يتعين أولاً تفكيك طبيعة العملين اللذين أشعلا فتيل الأزمة؛ فكتاب سهير عبد الحميد ليس مجرد سردٍ تاريخي، بل هو رحلة استقصائية شاقة تستعيد التراجيديا الإنسانية لابنة أحد أقطاب الصوفية وأغنى نساء عصرها، متتبعةً تحولات حياتها الدرامية من قمم البذخ إلى دهاليز العزلة، ومن فضاءات العشق إلى مرارة الخذلان، وصولاً إلى نهايتها المنكسرة تحت وطأة تحولات ما بعد عام 1952.
وتبرز قيمة عمل عبد الحميد في كونه نصاً تأسيسياً بامتياز؛ فهو لا يكتفي بإعادة تدوير سيرٍ مطروقة، بل يمارس فعل الاستنقاذ لشخصية طواها النسيان، ليعيد زرعها في تربة الذاكرة الثقافية عبر توثيقٍ رصين. إنه بذاك لا يقدم مجرد كتاب، بل يُنتج معرفةً بكراً ويضيف مادةً حية للمكتبة العربية، مما يجعله مرجعاً أصيلاً لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن تلك الحقبة.
أما الكتاب المتهم كوكو شانيل وقوت القلوب، فينطلق من فكرة مقارنة بين شخصيتين نسائيتين مثيرتين للجدل؛ إذ يعرض سيرة شانيل ثم ينتقل إلى قوت القلوب بحثاً عن تقاطعات في مسارات الحب والاتهام والخسارة. ولكنه يعتمد في معظمه على معلومات شائعة ومتاحة في المصادر العامة، كما أن البناء السردي يأتي تقريرياً أقرب إلى تجميع معلومات منه إلى صياغة أدبية أو معالجة بحثية معمّقة.
إعدام ميت
بصرف النظر عن القيمة، يكشف الفحص المقارن بين النصين عن نمط من التشابه يتجاوز مجرد الاشتراك في الوقائع التاريخية إلى تماثل بنيوي وتعبيري لافت.
ارسال الخبر الى: