من يملك الذكاء الاصطناعي العربي
مثيرٌ للتأمل، وربما للتوقّف عند دلالاته الاستراتيجية الأبعد، أن يتحوّل الذكاء الاصطناعي في الخطاب العربي الرسمي من مفهومٍ تقنيٍّ نخبويّ إلى أولوية سياسية مُعلنة، تُدرج في صلب الخطط الحكومية وتُقدَّم بوصفها رهان المستقبل. فعند الوقوف على التقرير الذي نشرته صحيفة العربي الجديد (8/1/2026) حول أبرز المشاريع الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي، تتكشّف صورة لسباقٍ عربيٍّ متأخّر، لكنه متسارع، للحاق بعالم يعاد تشكيله على إيقاع الخوارزميات والبيانات. ففي وقت يغيّر الذكاء الاصطناعي حياة الناس في العالم على مستويات الاقتصاد والعمل والتعليم والإدارة، وتضخّ فيه الشركات العالمية مليارات الدولارات لتأكيد تفوقها، تسارع الدول (ومنها دول عربية) إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وصياغة استراتيجيات وطنية، على أمل اقتناص موقع في سباقٍ محموم تقوده القوى الكبرى. غير أن هذا الحضور المتنامي للذكاء الاصطناعي في الخطط الرسمية يثير أسئلة لا تقل أهمية عن الوعود التي يحملها: هل نحن أمام تحوّل استراتيجي حقيقي، أم أمام استجابة خطابية لضغط الزمن الدولي؟
يقدّم التقرير عرضاً بانوراميّاً لأبرز الاستراتيجيات الوطنية لبناء الذكاء الاصطناعي العربي خلال السنوات المقبلة، كاشفاً عن خريطة آخذة في التموضع والتشكّل تتباين فيها الرؤى، وتتفاوت مستويات الطموح والجاهزية، وتتقاطع عند حدودٍ غير محسومة بين التحديث التقني وبناء القدرة السيادية الفعلية. ومن خلال هذا العرض، يتيح التقرير تتبّع الاتجاهات العامة في التفكير الرسمي، وكيفية إدراج الذكاء الاصطناعي ضمن مسارات التخطيط والتنمية، من دون أن يذهب إلى تحليل السياسات أو تقويمها، بقدر ما يضع بين أيدينا مادة دالّة لفهم حراك عربي يسعى إلى مواكبة نظام دولي باتت فيه البيانات والخوارزميات محددات مركزية للقوة الاقتصادية والإدارية.
يعكس التمعّن في هذه الخريطة (يبرز تنوّع واضح في المقاربات) اختلاف الأولويات والسياقات الوطنية. في قطر، تتّخذ مقاربة الذكاء الاصطناعي طابعاً تشغيليّاً واضحاً، يركّز على إدماج التقنيات الذكية في الخدمات الحكومية عبر شراكات مرنة مع شركات تكنولوجية محلية وعالمية، بما يتيح تحقيق نتائج عملية قابلة للقياس على المدى القريب. وفي مصر والمغرب والأردن، يتخذ الذكاء الاصطناعي مساراً إصلاحيّاً يهدف إلى تحديث المؤسّسات القائمة، مع
ارسال الخبر الى: