لم يمت أبي فجأة

يمنات
يحيى الرباط
لم يمت أبي فجأة.
ما حدث أدقّ وأقسى من كلمة موت.
أبي تآكل أمامي، دقيقةً دقيقة، تحت ضوءٍ أبيض بارد، وبين أيدٍ تعرف السعر أكثر مما تعرف النبض.
في الليلة الأخيرة، كان أبي حيًّا كعادته.
ليس حيًّا بالجسد فقط،
بل حيًّا بكل ما يجعل الفقد مستحيل التصديق.
يتحرّك، يضحك، يمازح أمي،
يخطّط ليومه القادم، ويؤجّل التعب، كعادته.
وعند الفجر نمتُ أنا وهو لا يزال صاحيًا بكامل قواه،
ولم أكن أعرف أنني أودّعه دون وداع.
مع الصباح، جاءتني أمي، ووجهها لا يحمل خبرًا، بل يحمل انهيار عالم.
لم تقل شيئًا، فقط أشارت بيدٍ مرتجفة،
فعرفت أن الليل ترك لنا كارثته
ورحل.
من تلك اللحظة، لم أعد ابنًا.
صرتُ حالة إسعافية تمشي على قدمين.
حملت أبي من مكانٍ إلى مكان،
من صحيّ القرية،
إلى سيارة الإسعاف،
إلى أطباء بلا حدود.
كنت أجرّ كل ثانية من الأمل كما يجرّ الغريق آخر نفس،
أُمسك بالاسم كأنه ورقة نجاة،
قبل أن ينهار كل شيء من حولي،
قبل أن يقولوا بكل حقارة:
ليست حالتُه من اختصاصنا.
لم أفهم الجملة فورًا.
ظننتها مصطلحًا طبيًا.
ثم أدركت:
إنها طريقة مهذبة لتركه يموت.
وبادروا قائلين:
نحن سنتكفّل بإسعافك بباص المستشفى إلى حيث تريد،
لكن الحقيقة: إلى حيث يريدون هم.
وهذه عادتهم؛
اتفقوا مع المستشفيات الخاصة
على مقابلٍ لكل حالة يبيعونها.
يبيعون المرض، ويقايضون الألم، ويتاجرون بالأجساد كما تُتاجر البضائع.
قلت لهم إنني فقير ومعدم،
انقلوا أبي إلى مستشفى الثورة العام الحكومي.
لكن مستشفى الثورة هو الآخر
يحتاج إلى ثورة.
تحوّل إلى خاصٍّ بلا لافتة،
لا يدخله فقير بلا واسطة أو رشوة.
أُغلق الباب في وجهي،
قالوا: لا يوجد سرير.
قالوها دون أن ينظروا إلى أبي،
وكأن السرير أهم من الحياة،
وكأن الفقر جريمة تُعاقب بالموت.
قيلت الجملة بنفس البرود،
وكأن الأرواح تُدار بنظام الحجز المسبق.
مضطرًا، وجدتني أوقّع على ما لا أملك،
وأدخل أبي المكان الذي لا يُعالج فيه المريض، بل يُستنزف.
وهنا…
لا تبدأ المعالجة.
ارسال الخبر الى: