هل يكره الصينيون العطور
كنت مُتحمّساً للاجتماع بالزملاء في أوّل لقاء عمل لي في الصين. ارتديت بدلة رسميةً واحترت بين العطور التي جلبتها معي من الخليج ثم اخترت عطراً ثقيلاً يمزج بين رائحة خشب العود والصندل مع الورد الدمشقي والزعفران.
أستطيع أن أصف لحظة اللقاء الأولى بيني وبين الزملاء بأنّها كانت أشبه بتفاعل كيميائي طارد! إذ كان الزملاء بانتظاري، وما إن دخلت الغرفة حتى تفرّقوا مُبتعدين، وعلى وجوههم انكماش استياء، اللهم إلّا مسؤولة الترجمة التي تمالكت نفسها، ثم فتحت حقيبتها لتخرج قناعاً طبياً غطّت به وجهها!
حرصت مع انتهاء المحاضرة على سؤال المُترجمة عمّا حصل أثناء دخولي القاعة فابتسمت محاولةً التهرّب من الإجابة ما أكّد شكوكي بأنّ شيئاً ما قد حدث. وبعد أن حثثتها على الكلام صارحتني بأنّ رائحة العطر هي المشكلة. كانت المفاجأة واضحة على ملامحي، فتابعتْ كلامها: رائحة قوية جداً عبد الله!
لاحقاً حين عدتُ إلى البيت فتحت المتصفّح وسألته: هل يكره الصينيون العطور؟ وكان لسؤالي هذا أثر غيّر طريقة تعاملي مع العطور إلى الأبد.
يفضّل الصينيون الروائح الخفيفة ذات الطابع الهادئ وينفرون من الروائح القوية
يفضّل الصينيون الروائح الخفيفة ذات الطابع الهادئ وينفرون من الروائح القوية، الأمر الذي يفسّر سوء الفهم الذي يقع فيه الغرباء عن ثقافتهم، فيُفهم على نحو خاطئ بأنّهم يكرهون العطور.
وهم يرون أنّ استخدام العطور قوية الرائحة في الأماكن العامة سلوك مزعج فيه تعدٍ على آخرين لا يفضلونه.
غير أنّ هناك عاملاً آخر قد يلعب دوراً جوهرياً في هذه المسألة، هو العامل الجيني!
إذ يتمتّع ما نسبته 80-95% من الصينين، والكوريين واليابانيين، بجين ABCC11 وهو جين يَصنع بروتيناً ناقلاً داخل الغدد العرقية الكبيرة يعطّل إفراز المواد الكيميائية مثل مركّبات الكبريت المُسبّبة للرائحة. ومن المُتفق عليه علمياً أنّ المُسبّب لرائحة العرق الكريهة ليس العرق بذاته، بل هي نتاج تحليل البكتيريا الموجودة فوق الجلد لهذه المواد. وبما أنّ الجين المذكور يحول دون إفرازها فلن يكون هنالك شيء تحلّله البكتيريا. وهو ما يفسّر امتناع كثيرين منهم عن استخدام مُزيلات العرق.
ارسال الخبر الى: