ما لم يقله المعري
أيكون ما لم يكتبه أهمّ من الذي كتبه؟ أتكون في ذهنه أفكار أعمق وأدقّ وأكثر وضوحاً وتحديداً من التي كتبها في كتبه ليقرأها الناس؟... الجواب ملتبس، كما التباس السؤال نفسه.
ما من كاتبٍ يُمسك عن قولٍ يراه صحيحاً إلا مُكرهاً؛ أي إن أسباباً خارجة عن إرادته تحمله على أن يفعل ذلك، اتّقاءً لخطر، أو خوفاً من مساءلة مُحقّقة، أو تفادياً لإساءةٍ لشخصٍ أو جهةٍ لا يرغب في أن يأتيها، لذلك يؤثر الصمت عن بعض ما يعتقده لتجنّب ذلك كلّه أو بعضه.
من هنا يأتي التشديد على شرط الحرية بصفتها ضرورةً للتعبير؛ فحين تكون منظومة التشريعات المعمول بها في مجال التعبير والنشر مثقلةً بالقيود والمحظورات، فإن مساحات التعبير تضيق، ويصبح المسكوت عنه أكبرَ وأكثرَ غنىً بما لا يقاس بما يمكن أن يُقال، أي يُكتب. وبوسعنا أن نُحدّد مساحة الحرية في أيّ مجتمع من المجتمعات بما يتوافر لكتّابه ومبدعيه من حرية قول ما يرون، وهم آمنون.
ليست التشريعات المُقيّدة للحريات (على خطورتها) العائق الوحيد، فمنظومة القيم والأعراف التي تفرضها المجتمعات أو الجماعات تبدو أشدّ خطورةً، حيث سلطة الرأي العام، خصوصاً في مجتمعات يسود فيها الجهل والتخلّف، من أشدّ السلطات قمعيةً؛ إذ يمكن أن يُخلع أيُّ كاتب يقول ما لا ترغبه الجماعة، كما كانت القبائل العربية تخلع أيَّ خارج على إجماعها.
في المقابل، نجد كتّاباً ومبدعين، على مختلف العصور وفي كل الأقوام، امتلكوا الشجاعة في قول ما يرونه غير آبهين لما سيتعرّضون له من أذى، بلغ في كثير من الحالات حدّ التضحية بحياتهم، فانطبق عليهم القول: لا يخافون في الحقّ لومة لائم. صحيح أنّ الحقّ مسألة نسبية، لكنّ المبدعين هم ضمائر الأمم (أوهكذا يُفترض) يرون أبعد ممّا يراه الآخرون، فيُحذّرون من الكوارث قبل وقوعها.
يمكن اعتبار أبي العلاء المعرّي حالاً نموذجيةً للمبدعين الذين حملتهم بصيرتهم النافذة على أن يروا أبعد ممّا يراه بنو قومهم، وكان يدرك أنّ قول كل ما يراه سيكون مُكلفاً، ولكنّه رغم ذلك آثر أن يلمّح إلى هذا مراراً في
ارسال الخبر الى: